حملة اعلانية لا سياسية
يعتقد بنيامين نتانياهو انه وجد الشعارات التي ستجعله يفوز في الانتخابات الاسرائيلية المبكرة: اعلن انه مرشح ضد ياسر عرفات و"زمرة" اليساريين المؤيدين له ودعا مواطنيه الى الاختيار.
يعتقد ايهود باراك، ايضا انه وجد ضالته التي ستسمح له بإلحاق هزيمة منكرة بنتانياهو في 17 أيار (مايو): أعلن انه مرشح الحقيقة ضد الكذب وألقى مواعظ حول بديهية تفضيل الاولى على الثاني.
يعتقد دان ميريدور، هو الآخر، انه وضع يده على البرنامج السحري الذي سيعطي لانشقاقه عن "ليكود" معنى ونتيجة: اعلن ان الازمة في اسرائيل ليست سياسية ولا امنية ولا اقتصادية بل، وهذا في عرفه اشد خطورة، ازمة قيادة. يكفي ان يأتي هو على حساب نتانياهو حتى تنتفي المعضلة.
يعتقد امنون شاحاك، اخيرا، انه اكتشف التكتيك المناسب من اجل انفاذ الاولوية المطلقة التي انتدب نفسه لأجلها، طرد نتانياهو: قرر اطالة مدة الصمت، واحاطة نفسه بمزيد من الغموض، واستدراج مرشحين الى جانبه من الاوساط السياسية كلها، والنظر في امر البرنامج لاحقا.
اما بيني بيغن فهو يرى ان طريقه الى السلطة بسيط جدا: استحضار الوالد، مناحيم، واعتبار ان وراثته له تجمع البيولوجيا الى الايديولوجيا.
الواضح، والحال هذه، ان الحملة الانتخابية الاسرائيلية لن تكون مديدة فحسب، اربعة اشهر ونصف، انما قاسية ايضا. ولن تستمد قساوتها من تظهير الخلافات البرنامجية انما اساسا من التهجمات الشخصية والضرب تحت الحزام. ولذا فمن المستبعد ان يكون وراء كل مرشح منظر او اكثر، ومن المؤكد ان كل واحد منهم سيستعين بواحد من المستشارين الاعلاميين الاخصائيين من جهة في "صناعة الصورة"، ومن جهة ثانية، في تهشيم "صورة المنافس". ولذا شرع المتنافسون الرئيسيون في استيراد هؤلاء الخبراء من الولايات المتحدة في ما يبدو اتجاها متزايدا الى "أمركة" الحياة السياسية الاسرائيلية.
ليس هذا الاتجاه عبثيا. انه يجد سببه في عاملين مهمين.
العامل الاول هو ان نتانياهو انتقل، مع التوقيع على "واي ريفر" الى تحت سقف اوسلو، صحيح انه حاول تجميد التنفيذ، وصحيح انه فعل ذلك مرغما، ولكن ذلك لا يلغي ان ما حصل حصل. لقد وضع توقيعا الى جانب توقيع عرفات واستمات، كما بات معروفا، في تشكيل حكومة وحدة وطنية مع "زمرة" اليسار. ولقد ألغى بذلك الاساس البرنامجي لحملته الانتخابية الماضية تاركا لبيغن الابن ان يحتكر "الايديولوجيا التحريفية".
العامل الثاني هو ان نسبة الالتقاء بين المرشحين الرئيسيين حول قضايا التفاوض للحل الدائم مع الفلسطينيين كبيرة. كلهم ضد تقسيم القدس، وكلهم ضد حق العودة، وكلهم ضد ازالة المستوطنات، وكلهم ضد العودة الى حدود ما قبل حزيران (يونيو) 67. يعني ذلك ان نسبة "الاجماعات" الداخلية عالية، الامر الذي يجعل من الصعب خوض مواجهات انتخابية على قاعدة اختلافات واضحة (ما عدا، ربما، تباين المواقف من شكل وصلاحيات الكيان الفلسطيني الوليد).
عندما يتراجع التنافس عبر البرامج يحصل ما سبق ان حصل في عالم التجارة. لقد حاول الاعلان ان يحل مشكلة التماثل بين السلع في مجالي الاسعار والجودة. وهكذا فان الحملة الانتخابية الاسرائيلية مرشحة لأن تكون اعلانية اكثر منها سياسية. و"اعلانية" تعني، هنا، الترويج لبضاعة وتبخيس البضاعات الاخرى واصحابها.
