كلفة الكذبة الوحيدة
اكتسب بنيامين نتانياهو سمعة سيئة. فالكثيرون من الذين تعاطوا معه يقولون إنه يكذب. أي أنه يكذب بما يتجاوز الحدود المسموح بها في العمل السياسي. يشترك في توجيه هذه التهمة الرؤساء حسني مبارك وبيل كلينتون وياسر عرفات والملك حسين وغيرهم. وهم، عندما يقولون ذلك، يكونون يعنون ان نتانياهو وعدهم بتنازلات ولم يقدم عليها، وأنه عقد معهم صفقات وامتنع عن تنفيذ الشق المتعلق به منها.
لقد حصل ذلك بالفعل. واللائحة طويلة. غير أن نتانياهو اراد من هذه "الأكاذيب" الكثيرة أن يكون صادقا مع الجهة التي تهمه أكثر من غيرها: الناخبين. فهؤلاء أوصلوه إلى السلطة على قاعدة برنامج معين وهو يريد تنفيذه في ظروف صعبة. لذا فإنه أقدم على توزيع وعود كثيرة من أجل حماية "لحظة الصدق" هذه التي سبق له أن شرحها باستفاضة في كتاباته المعروفة.
ويمكن القول، بهذا المعنى، ان الكذبة شبه الوحيدة التي أقدم عليها نتانياهو وكانت سببا في التطورات اللاحقة هي "واي ريفر". فعندما وقع على الاتفاق أقدم على "خيانة" لايديولوجيا الحركة التحريفية التي ينتمي إليها، وتربى عليها، وانتزع السلطة لفرضها. لقد ضبطه غلاة اليمين القومي والمستوطنون بالجرم المشهود. حاول رد التهمة عن نفسه بوضعه الشروط المعروفة التي أدت إلى تجميد عملية التنفيذ، ولكن محاولة الانقاذ هذه جاءت متأخرة فكان ما كان.
إن هذا المدخل هو الوحيد الذي يسمح بفهم حال التشظي التي يعيشها حزب "ليكود" خصوصا والمعسكر القومي الإسرائيلي عموما.
لم تبق شخصية مرموقة في هذا التيار إلا وباتت تدعي القدرة على القيادة وتقترح نفسها بديلا من رئيس الوزراء الحالي. هناك من يفعل ذلك عن يمينه، بيني بيغن وعوزي لانداو وايهود اولمرت وهناك من يفعله عن "يساره"، اسحق موردخاي وروني ميلو. وهناك من لا يهتم بهذه المعايير اطلاقا، ليمور ليفنات.
لقد كان نتانياهو، في الأصل، هامشيا ضمن حزبه، وقد عامله "الامراء" بتعال، فكيف إذا اضيفت إلى ذلك محاولته المتعثرة المس بحجر الزاوية في عقيدة اليمين الصهيوني، وهي المحاولة التي سعى إلى استدراكها والتراجع عنها. فعندما تصبح أرض إسرائيل قابلة للاقتسام بموافقة، ولو ضئيلة، من حكومة يمينية تنعدم المرجعية الايديولوجية التي يمكنها ان توحد هذا التيار وتجعله قادرا على خوض الانتخابات بصفوف مرصوصة.
إن نتانياهو "الايديولوجي" هو الذي كذب على "خصومه". ونتانياهو "البراغماتي" هو الذي كذب على "أنصاره". وهو يمثل، بذلك، محاولة لأقلمة أقصى التعنت مع الشروط المستجدة بعد "أوسلو" و"وادي عربة". ولكن هذه المحاولة هي التي قادت إلى الانتخابات المبكرة وإلى شرذمة اليمين الإسرائيلي إلى تيار عريض يريد الذهاب بالتأقلم حتى نهايته المنطقية وصولا إلى اللقاء مع يمين حزب "العمل" (الوسط) وتيار يريد التمسك بالمبادئ حتى النهاية وصولا إلى التحالف مع أحزاب مثل تسوميت وموليديت.
سيحاول نتانياهو، هذه المرة، اللعب على الحبلين معا، ولكن ذلك لن يمنع تحول الانتخابات إلى مناسبة لتعريض ورثة التحريفية للامتحان الذي طال تأجيله.
