الدولي تغير... فماذا عن الشرق الأوسط
"... والمطالبة بعقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط". تعبير شائع. دخل اللغة السياسية بصفته مطلباً عربياً. يتكرر التأكيد عليه في المناسبات من دون التنبه الى حجم التغيير الذي طرأ على التوازنات الدولية، والذي يفترض فيه أن يدخل تعديلاً جذرياً على "فلسفة" هذا المؤتمر، وأن يقود الى اعادة نظر في منطق الدعوة إليه. وإلى التدقيق في ما يعنيه انعقاده، والقوى المشاركة فيه.
لم يعد لهذا التعبير، اليوم، المعنى الذي كان له بالأمس. لكن اللغة، على ما يبدو، أكثر ثباتاً من السياسة. تتغير هذه الأخيرة من دون أن تخترع لغة تواكب تحولاتها وتلتقط ما تعنيه في كل محطة.
رفع العرب وحلفاؤهم في العالم شعار المؤتمر الدولي لأسباب عديدة. منها، مثلاً، تحميل العالم مسؤولية حل أزمة كان مسؤولاً عن ايجادها، وتطبيق قرارات اتخذتها الهيئات الدولية في هذا الشأن. ومنها الرغبة في إيكال تنفيذ الترتيبات اللاحقة، بعد أي حل، الى مؤسسات الشرعية الدولية (قوات سلام، إلخ...) ومنها تجنب الإنفراد الأميركي في تدبير الحلول الجزئية. ومنها، وهذا هو الأهم، ترجمة التوازن الدولي بين الولايات المتحدة، والإتحاد السوفياتي (على قاعدة الخلاف بين مصالح الجبارين) إلى حل إقليمي يعوض فيه التوازن اياه، عن الخلل الموجود في المنطقة لصالح إسرائيل. على أن تكون أوروبا (التي عرفت مواقفها تطوراً ملحوظاً) شاهداً وشريكاً في هذا الحل.
وهذه الأسباب، بالضبط، هي التي دفعت الولايات المتحدة واسرائيل الى رفض فكرة المؤتمر الدولي ومحاربتها.
فواشنطن تريد الإنفراد بحل الأزمة في المنطقة التي تعتبرها حساسة جداً إقتصادياً، واستراتيجياً. وهي تريد، وفق منطق الحرب الباردة، إبعاد الإتحاد السوفياتي (والى حد أقل أوروبا) عن أن يكون له أي دور، وهي تعتبر أن "كامب ديفيد"، نموذج يجب الإقتداء به ليس لأنه يؤدي الى تواجدها المباشر في سيناء، بحجة ضمان التنفيذ، بل لأنه عنوان تواجدها السياسي في القاهرة مع ما يعنيه ذلك من سياسة مصرية خارجية ومن إعادة تركيب للتوازنات الداخلية في مصر.
وتل أبيب ترفض المؤتمر الدولي لأسباب متعددة. فحزب "العمل" كان يرفضه لأنه يفضل الحوار المباشر مع الأردن من أجل استبعاد منظمة التحرير الفلسطينية واستبعاد أي بحث بالجولان. و"الليكود" يرفضه لأنه يرفض، بالمطلق، أي انسحاب من الأرض المحتلة سواء لصالح الأردن أو غيره.
وإذا كان موقف "العمل" قد عرف تحولاً طفيفاً فانه بقي مشروطاً بألا تكون للمؤتمر أية فعالية، وأن يكون لاحقاً للحوار الثنائي، وأن تستبعد المنظمة عنه، وأن لا يؤدي، بأي شكل من الأشكال، الى إفامة دولة فلسطينية.
وكذلك عرف الموقف الأميركي تحولاً طفيفاً يوازي ما طرأ على سياسة حزب "العمل". لا بل يقصر عنه في عدد من المجالات.
هذان التحولان أصبحا بلا معنى مع وصول اليمين الإسرائيلي الى الحكم منفرداً. ومع إقدام واشنطن على قطع الحوار مع منظمة التحرير. بدا مع هذين الحدثين، أن فكرة "المؤتمر الدولي" قد أصيبت بانتكاسة لا قيام لها بعدها.
***
جاءت أزمة الخليج، وما تلاها، لتؤكد على هذا التوجه. ولتدخل عليه في الوقت نقسه، تعديلاً بسيطاً.
لقد رفضت الولايات المتحدة فكرة الربط بين أزمات المنطقة سواء كان الربط عضوياً، أو سياسياً. ولم ترض أن تقدم، ولو مؤشراً واحداً، الى أنها تعتزم تطبيق الأواليات المستخدمة في أزمة الخليج على الصراع العربي ـ الاسرائيلي: قرارات دولية، حصار اقتصادي وسياسي للجهة الرافضة، تهديد بعمل عسكري. ومع أنه سبق لواشنطن أن اعتمدت هذه الأواليات في مواجهة مشاكل اقليمية أخرى ( أفغانستان، كمبوديا، ناميبيا، الخ...). لم يكن ممكناً انتزاع أية موافقة منها على أن أزمة الشرق الأوسط هي مثل غيرها من الأزمات الاقليمية، تستدعي علاجاً مماثلاً.
استمر الموقف الأميركي على حاله الى أن صدر قرار مجلس الأمن رقم 681 المرفق ببيان عن رئاسة المجلس ترد فيه الدعوة الى "مؤتمر دولي" في "وقت مناسب وبهيكلية ملائمة" مع النص الصريح على اختلاف وجهات النظر بين أعضاء مجلس الأمن حول "التوقيت المناسب". هذا التعديل في الموقف الأميركي يبقى، على أهميته، بسيطاً. لماذا؟
السبب الرئيسي لذلك ليس أميركياً. انه سوفياتي.
ليس سراً أن الأوضاع الداخلية في الاتحاد السوفياتي تسوء منذ سنوات. وليس سراً أن الوزن الدولي لموسكو يشهد تراجعاً مريعاً. ولقد كانت أزمة الخليج مناسبة إكتشف فيها العالم، والعرب بصورة خاصة، الموقع الفعلي للإتحاد السوفياتي في التأثير على أحوال العالم.
مكافأة الاتحاد السوفياتي على موقفه من أزمة الخليج (ومن فتح باب الهجرة اليهودية) لم تكن مساعدات اقتصادية فحسب بل كانت وعداً أميركياً، في قمة هلسنكي. مؤداه أن واشنطن لم تعد تعارض في دور لموسكو في الشرق الأوسط.
يعود عدم الإعتراض هذا الى أسباب عديدة:
1 ـ تعتبر الولايات المتحدة، محقة، ان الاتحاد السوفياتي يعيش مشاكل داخلية مديدة ومتفاقمة وأن هذه المشاكل ستدفع به نحو نوع من الإنكفاء والعزلة يمنعانه من أن يكون حاضراً بقوة في بحث الملفات التي تتجاوز أمنه بالمعنى المباشر بالمعنى الحصري للكلمة: الحفاظ على الاتحاد كاتحاد وليس كقوة عظمى على الصعيد العالمي.
2 ـ احتمالات التطور في الاتحاد السوفياتي مفتوحة. الحروب الأهلية واردة، تدخل الجيش وارد، حالة الطوارىء ممكنة، الانفجارات الاجتماعية محتملة، الصراعات الإثنية والقومية موجودة ومتصاعدة وفي هذه الحالات كلها العزلة مؤكدة، ومؤكد معها إزدياد الحاجة الى دعم "الغرب"، أو تحييده على الأقل، إلى حين استقرار الأوضاع على توازنات جديدة.
3 ـ أصبحت الولايات المتحدة موجودة في شكل مباشر في الخليج وهي تهيء لدور لها في أية بنية أمنية تنشأ في المستقبل. يعني هذا أن أي دور سوفياتي في المنطقة سيكون ضعيفاً، أولاً، وغير معاد للمصالح الأميركية ثانياً. وعاجزاً عن امتلاك أي هامش مناورة ثالثاً. واشنطن تمسك، تماماً، بالعصا من طرفيها: الاسرائيلي والعربي.
4 ـ حصار العراق مستمر وقابل للتحول الى مواجهة عسكرية يجري فيها تقييد، ان لم يكن ضرب، القوة العربية الأساسية التي أظهرت قدراً من المعاندة في وجه الخطة الأميركية العامة لإسقاط المنطقة، أو بالأحرى، لاستكمال إسقاطها.
مثل هذه الحسابات تدفع الولايات المتحدة الى التخلي عن رفضها القاطع وجود أو دور للإتحاد السوفياتي في "حل" قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي. فهذا الوجود سيكون شكلياً بالضرورة ويأتي في "مرحلة ما" من مراحل تسوية ستكون الولايات المتحدة هي راعيتها الأساسية لا بل الوحيدة. ويمكن للمرء أن يذهب الى القول أن هذا الوجود السوفياتي ربما كان مطلوباً، من وجهة نظر أميركا، لإضفاء طابع دولي على حل أميركي في العمق والجوهر.
لقد اقتضى الوصول الى هذا "التقدم" الأميركي حصول التحول الهائل في وضع الاتحاد السوفياتي وسياسته الخارجية، والتواجد العسكري المباشر في الخليج، وإقامة هذا النوع من التحالف مع قوى عربية تراهن بالكامل على الولايات المتحدة. ومع ذلك فان واشنطن استدركت، بعد الموافقة على قرار مجلس الأمن والبيان الرئاسي، لتقول أنها لم تغير موقفها، وأنها، بالتالي، لن تضغط على اسرائيل لتعديل سياستها. مما يعني أن القضايا العالقة بقيت عالقة.
لقد تقدمت السياسة الأميركية هذه الخطوة الخجولة باتجاه "المؤتمر الدولي" بعد التحول الهائل في موازين القوى الدولية لصالحها. أي بعدما أصبح الاتحاد السوفياتي يبحث عن دور الشراكة من الموقع الأدنى معها لأنه لم يعد نداً لها وقطباً في مواجهتها (*).
يعني ما تقدم أن هناك تحولاً جذرياً قد طرأ "مفهوم" المؤتمر الدولي وعلى الضمنيات التي جعلت منه، في مرحلة ما، مطلباً عربياً.
لم يعد يعني توظيفاً للتوازن الدولي ـ على قاعدة تباين المصالح، بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة من أجل انتاج حل اقليمي بين قوى تفتقد، هي، الى عناصر التوازن فيما بينها. ولأنه، بالضبط، لم يعد يعني ذلك. وافقت الولايات المتحدة، تحت الضغط، على تمرير العبارة الغامضة في مجلس الأمن بعد حرمانها من أي طابع إلزامي.
هل يجب لهذا التشخيص أن يقود الى موقف عربي مغاير من شعار المطالبة بعقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط؟ كلا. ولكنه يجب أن يقود الى مراجعة لهذا الشعار من أجل فهمه بصورة صحيحة حتى لا يصبح الاستمرار في طرحه، بالشكل السابق، خطاً سياسياً.
لنلاحظ معركة السبعين يوماً التي اقتضاها صدور القرار 681 عن مجلس الأمن. الولايات المتحدة قاومت صدور أي موقف. إختبأت بريطانيا وراءها، تولى الاتحاد السوفياتي مهمة القتال من أجل تغطية الموقف الأميركي وتمريره. عارضت الصين هذا التوجه. إنفردت فرنسا بالتحرك الفعال لإصدار القرار وصولاً الى إحداث "أزمة صامتة ومحدودة" في علاقتها مع واشنطن. إنقسمت دول العالم الثالث بين ملتحق بموقف التحالف الأميركي ـ السوفياتي، وبين مؤيد للمشروع الرباعي الذي تقدمت به اليمن وكوبا وكولومبيا وماليزيا.
ولقد حصل ما حصل على خلفية استمرار أزمة الخليج واحتمال تحولها في أية لحظة الى حرب مدمرة وواسعة.
ماذا نستنتج من ذلك؟ نستنتج أن المؤتمر الدولي لحل أزمة الشرق الأوسط لم يعد الإنعكاس الاقليمي لتوازن الشرق والغرب. وأن أوروبا بصورة عامة ـ وفرنسا بصورة خاصة ـ هي التي تعطي المؤتمر المذكور طابعاً تعددياً ومتوازناً يجعله إطاراً للبحث عن تسوية عادلة. وتزداد هذه الملاحظة أهمية متى تذكرنا أن الموقف البريطاني هو، على العموم، أفضل مما جرى التعبير عنه خلال "السبعين يوماً" المشار اليها والتي كانت بريطانيا، في خلالها، محكومة بالالتصاق الوثيق بالولايات المتحدة بحكم موقفهما المشترك حيال أزمة الخليج. ونستنتج، ثانياً، أن المؤتمر العتيد لن يكون له أي معنى إذا عقد، ولن يعقد على الأرجح، في حال تعرضت أبرز قوة عربية حالية، العراق، الى ضربة تخرجها من معادلة الصراع في المنطقة.
تأسيساً على هذا التوضيح يمكن القول أن المطلوب هو التمسك بشعار المؤتمر الدولي مع الأخذ في عين الاعتبار بأن الإتحاد السوفياتي سيكون، في أحسن الأحوال، طرفاً محايداً. وأن الإتكال هو، بدرجة أساسية، على الموقف الأوروبي وعلى امكانية ارتكاز هذا الموقف على حد أدنى من التوازن العربي ـ الاسرائيلي. هذا التوازن الذي تشكل إنتفاضة الأرض المحتلة، وقوة منظمة التحرير الفلسطينية عنصراً حيوياً فيه يستقوي بالإضافة الجدية التي يقدمها عراق قادر وغير مهزوم.
(*) تقترح أوساط استبدال الدعوة الى مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط تحضره الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وأطراف النزاع في المنطقة بمن فيهم منظمة التحرير بالدعوة الى استئناف مؤتمر جنيف الذي علق أعماله بعد أن ترأسه مندوبا الوريات المتحدة الأميركية والإتحاد السوقياتي. فالمؤتمر الثنائي لا يستدعي قراراً جديداً من مجلس الأمن وهو يستبعد في آن معاً الأوروبيين والصينيين والفلسطينيين. وربما كان مغرياً لواشنطن أن تلجأ الى هذه الفكرة التي تتيح لها الإنفراد في تقرير مصير الحل في ظل وجود "تجميلي" للإتحاد السوفياتي.
تقدمت الولايات المتحدة خطوة خجولة باتجاه "المؤتمر الدولي" بعد أن أصبح الاتحاد السوفياتي يبحث عن دور الشراكة من الموقع الأدنى معها لأنه لم يعد نداً لها وقطباً في مواجهتها.
