1993
الاشتباكات تعمّ أرجاء العاصمة ومع ذلك تجد الأحزاب وقتاً لتلتقي وتتحاور وتضع "أفكارها" في الميزان: ديمقراطية، مسيحية، أصولية إسلامية، راديكالية، يسارية، دستورية... كل ذلك بإشراف جنرال يستمع إلى جدالات لا تنتهي وهو مشغول بما يجري خارج القاعات.
في الشوارع يسير المشاة حاملين الرشاشات، ويحاولون تجنّب الانفجارات التي تحصل، عادة، أمام طوابير الانتظار، والسيارات المفخخة التي توقع الضحايا بالعشرات. الكهرباء مقطوعة بالطبع وتظهر أكوام النفايات في العتمة الخفيفة. فنادق المدينة أنقاض عليها شعارات تؤكد المسؤولية عن التدمير: "من هنا مر...". أما البيوت السليمة فهي في عهدة مسلحين يذودون عنها غير مبالين بجنود الأمم المتحدة وقبعاتهم الزرقاء ولا بموظفي الدولة معدومي الصلاحيات. لا يعنيهم سوى منع مصادرة البيوت أو تهجير سكانها باسم "لجان ثورية ووطنية" لا همّ لها سوى احتلال المنازل واعتقال سكانها تمهيداً لاستبدالهم.
أصوات الإذاعات تتصاعد من كل مكان. إذاعات لا حصر لها، متضاربة، لا تلتقي إلاّ في عرضها لأخبار الحروب والاقتتال والمحاور والقصف... يلعب الراديو دوراً تحذيرياً يستفيد منه المواطن لتجنّب هذا الشارع أو ذاك ولكن الأهم من ذلك أنه يستدلّ بواسطته على الوقت. فقد صودرت الساعات في المدينة كلها حتى لا تستخدم في القنابل الموقوتة. مدينة ملتهبة، قادة عسكريون أميّون، أزمة اقتصادية طاحنة... ومواطن يفر من "لجنة" حاولت اختطافه ليقع في أسر لجنة أخرى تحتفظ به إلى حين القيام بعملية تبادل الرهائن. مواطن كل ذنبه أنه خرج من بيته ليشتري حاجيات فإذا به يدخل في كابوس لا ينتهي يتنقل من مكان إلى آخر وهو يقول في نفسه "تعوّدت في خلال هذه السنوات الأخيرة أن ألتصق بالأرض، أزحف، وأركض على أربع أرجل". وهو إذا كان عاش هذه السنوات الأخيرة، فلأنه لا يتجوّل من دون سلاح جاهز لإطلاق النار فوراً. عندما بدأت الأحداث فرح بها. كان يريد عملية جراحية تطيح المحافظين لذلك لم يصدّق مَن قال له "لا تستغرب إراقة الدماء، دمائكم خاصة، فالأعضاء الحيّة تنزف أكثر".
***
هذا وصف مكرّر لما تعيشه بيروت منذ سنوات وسنوات؟
كلا. هذا وصف لما يعتقد ألكسندر كاباكوف أن موسكو سوف تعيشه في عام 1993.
في 1992 انقلاب يطيح بالرئيس السوفياتي ميخائيل غورباتشوف يليه، فوراً، "الانفجار الكبير" ودخول الاتحاد السوفياتي نقطة الـ"لا عودة" (عنوان الكتاب ـ 70 صفحة ـ الموضوع في صيف 1988 والمنشور، قبل أسابيع، في الاتحاد السوفياتي ثم في عدد من بلدان العالم).
كان يمكن لكاباكوف أن يعنون كتابه "1993" تيمّناً بجورج أورويل وكتابه "1984". من دون أن يخشى أي اتهام بالمبالغة. وهل يمكن توجيه مثل هذه التهمة إليه بعد ما جرى في باكو، وكاراباخ العليا، والحدود الأرمنية ـ الأذربيجانية، وتبيلسي، وقيرغيزيا... وبعد مشاريع الانفصال في مولدافيا وجيورجيا، والانفصال الفعلي في جمهوريات البلطيق وقرار البرلمان الروسي اعتبار قوانينه فوق قوانين الاتحاد السوفياتي.
يمكن لهذه التطورات النابذة أن تقود إلى "أزمة قوميات" تستفيد من أي ضعف في السلطة المركزية لتختار الحرب الأهلية حلاً لإختناقاتها بدل أن تختار المشروع العقلاني الذي يقترحه ميخائيل غورباتشوف: اتحاد فدرالي طوعي بين جمهوريات ذات سيادة.
لقد جرى التحذير من "اللبننة" في كل مكان في العالم برزت فيه مشاكل قومية أو إثنية أو طائفية وتطورت إلى حد أن الأطر الرسمية الجامعة لم تعد قادرة على استيعابها وتقديم الأجوبة عليها.
وفي المقدمة الموضوعة لكتاب كاباكوف "لا عودة" يقول ديمتري سافيتسكي "إن موضوع هذا العمل هو تحوّل موسكو إلى بيروت" (ص 9) ومحاولة لوصف "جحيم الحرب الأهلية في موسكو نفسها"، موسكو العاصمة التي ينتشر فيها "وباء المخاوف المتنوّعة التي تخص بلاداً تعيش مرحلة تحوّل ويؤمن الجميع، فيها، بأن الحرب الأهلية قادمة!".
وإذا كان من الصعب الاستدلال برواية على الاتجاه الذي سوف تسلكه الأحداث فإنه من المفيد أن نتوقف قليلاً عند هذه الظاهرة.
كانت "البيريسترويكا" موضوع روايتين صدرتا بالفرنسية قبل 1988. في الأولى يصاب ميخائيل غورباتشوف باليأس أمام المعضلة الاقتصادية وعدم تجاوب الحزب معه لحلها فيستغل زيارة يقوم بها إلى فنلندا ليعلن فراره نحو الغرب. وفي الثانية يواجه الرئيس السوفياتي المشاكل إيّاها معطوفة على بروز تيار وسطي في الحزب يطيح به وبزعيم الجناح المحافظ إيغور ليغاتشيف. ينتهي هو سفيراً في صنعاء وليغاتشيف سفيراً في عدن. وكان ذلك، طبعاً، قبل أن يتوحّد اليمن فلا يعود قادراً إلاّ على استقبال سفير واحد! ولكن الروايات التي صدرت بعد 1988 لم تعد تجد في الأزمة الاقتصادية موضوعها المفضّل. فهي لا تتعامل إلاّ مع قضايا القوميات والإثنيات ومطالب الانفصال. و"لا عودة" مثال على ذلك. المثال الآخر رواية "الأخ الأحمر" التي كتبها اثنان من أبرز الاختصاصيين الفرنسيين في قضايا الاتحاد السوفياتي: ميشال تاتو وميشال ماير. موضوعها مؤامرة شديدة التعقيد تدور كلها حول بروز القومية الروسية "الشوفينية" واللجوء إلى نوع من الحكم الديكتاتوري لمواجهتها إنقاذاً للاتحاد السوفياتي.
لكن الجديد في رواية كاباكوف هو أن الكاتب لا يخفي إطلاقاً تقديره المتشائم بأن بيروت هي مستقبل موسكو وبأنها، فوق ذلك، مستقبلها القريب. وبما أن كاباكوف صحافي يعمل في "أنباء موسكو"، إحدى منارات البيريسترويكا، فمن الأرجح أنه تابع الأزمة اللبنانية عن قرب ولم يفعل سوى إعادة إنتاج مشاهدها في ديكور آخر هو الديكور الذي تقدمه موسكو بانتظار تحويل الرواية إلى فيلم يجري الإعداد لتصويره حالياً.
ليست المقارنة مع بيروت هي ما تهمّنا فقط، كعرب، في "لا عودة".
الجانب الآخر هو أن ألكسندر كاباكوف كاتب يهودي سوفياتي معروف وهو يبعث بكتابه هذا، رسالة إلى مواطنيه الذين يرحلون نحو إسرائيل وغيرها، أو يحزمون أمتعتهم للهجرة. يقول كاباكوف لهؤلاء إنه، مثلهم، متشائم جداً بالمستقبل وخائف من انبعاث الشوفينيات على أنواعها. لكنه، على عكسهم، لن يغادر الاتحاد السوفياتي بلاده وهو لن يتركها. هناك ولد وعاش وهناك يبقى لأن واجبه هو دعم المسيرة الإصلاحية و"الخط الذي يمثّله غورباتشوف لأنه المخرج الوحيد". وإذا قيل له إن هذا الخط "متردّد"، أجاب "هذا أفضل" وبأنه مستعدّ ليعيش أربعين سنة من التيه، فوق أرض وطنه، بانتظار جيل جديد!
