"السيندروم الكويتي"
في واشنطن يجري تعريبه، ثم تدويله، ثم "أمركته".
حصل ذلك عند بدء إرسال القوات الأميركية إلى منطقة الخليج. وعاد فتجدد مع مضاعفة عددها والحصول على إجازة بشن الحرب.
في الحالتين كانت واشنطن هي التي تقرر. بعد ذلك يجول مندوبوها في البلاد العربية "الحليفة" لتأمين التغطية السياسية والحد المطلوب من التورّط. يتسلّح المندوبون بذلك لتصليب التحالف الدولي ضد العراق والحصول، عبره، على مواقف جديدة من مجلس الأمن. بعد ذلك تكون العودة إلى الولايات المتحدة لمطالبة الهيئات التشريعية والرأي العام بالتفويض الذي سبق للإدارة أن حصلت عليه من العالم.
كان يبدو منطقياً لو أن العجلة تدور في الاتجاه المعاكس، أي لو أن الولايات المتحدة كانت موحّدة أو شبه موحّدة، ولو أنها استقوت بذلك لتحصل على موافقة التحالف الدولي. ولو أنها ذهبت، بهذه القوة، إلى "الأصدقاء" العرب لتفرض عليهم الأخذ بسياسات قد تؤدي بالمنطقة إلى حرب مدمرة.
يحصل ما يحصل لأنه، في سلسلة المتحالفين مع الولايات المتحدة، تبدو الحلقة العربية الحلقة الأضعف. البطن الرخو، يتم اختراقها إولاً ثم تكرّ السبحة. وهي على هذا الضعف لأسباب كثيرة بينها وجود قرار سياسي بعدم مواجهة واشنطن، لا بل بعدم إجراء حوار جدي معها يقود إلى سلوك يحفظ حداً من مصالح الطرفين.
***
تبدو الحلقة العربية محكومة بما يمكننا تسميته "السيندروم الكويتي": شعور الذي خسر كل شيء بالعجز عن استعادة أي شيء، والاستسلام الطفولي أمام قوة كبرى، ورجاؤها أن "تضحّي" في سبيله، وتؤدّب "الشقي" الذي سبّب له هذا "العذاب" كله. لا يمكن أن ينتج عن ذلك سياسة راشدة، سياسة تحاول أن تلعب دوراً "ترشيدياً"، وأن "تنصح" الأميركيين، انطلاقاً من معرفتها بالمنطقة، بما يمكنه أن يكون شرط المواجهة الناجحة مع العراق. ترجمة هذا الكلام إلى سياسة يعني ممارسة قدر من الضغط لإدخال المصالح العربية، أو البعض منها، في الخطة الأميركية وعدم اختصار عالم العلاقات العربية ـ الأميركية المعقّد إلى مجرد جنود يستعدون للقتال إنقاذاً للكويت.
قدمت لنا الأسابيع الماضية نموذجاً عن هذا السلوك العربي. بعد أن اتخذ مجلس الأمن قراره 678 الذي يجيز استخدام القوة، وبعد أن أعلن الرئيس جورج بوش اعتزامه إجراء حوار مع بغداد، التقى وزراء خارجية "الحلف الثلاثي" الجديد (مصر، السعودية، سوريا) وأصدروا بياناً يعتبر أن لقرار مجلس الأمن "أهمية كبرى بالنسبة إلى عملية البحث عن تسوية جدية لأزمة الخليج". أغفل البيان الإشارة إلى الحوار مع العراق الذي سبق لأقطاب هذا الحلف أن رفضوه بدل أن يكونوا من الداعين له، والمصرّين عليه، والعاملين على تضمينه ملفات أخرى غير أزمة الخليج، والساعين إلى المشاركة فيه. ومتى تذكّرنا أن قرار بوش بالحوار جاء نتيجة ضغط دولي عام وأميركي داخلي أدركنا كم أنه يستطيع النجاح في توظيف "العامل العربي" في سياسة لوي الذراع التي يمارسها، بنجاح، مع العالم، وفي السجال الداخلي.
لنتصوّر لحظة أن الموقف العربي الإجماعي كان هو الموقف الذي اتخذه اللقاء الرباعي في بغداد (العراق، فلسطين، الأردن، اليمن). فلقد أصدر هذا اللقاء بياناً يشيد ببدء الحوار الأميركي ـ العراقي ويدعو إلى حوار عربي ـ عربي مواز، و"إلى تسوية مشكلات المنطقة كلها ولا سيما منها القضية الفلسطينية من أجل تحقيق سلام شامل ودائم في المنطقة قائم على أساس الشرعية الدولية ووفقاً لمعايير ومبادئ واحدة".
لو كان هذا هو الموقف العربي العام لكان ممكناً كسر الحركة اللولبية للإدارة الأميركية والدخول معها في حوار ـ مواجهة تكون المصالح العربية العليا، بما فيها الكويتية، حاضرة فيه إلى حد بعيد.
***
"تعرّب" الإدارة الأميركية موقفها ثم تسعى إلى "تدويله". تتم العملية الأولى بسهولة في حين تواجه الثانية عقبات.
رئيس الأركان التركي يستقيل، بعد وزيري الدفاع والخارجية، ويدفع ثمناً لتطويع موقف تركيا، العضو في حلف الأطلسي، وإخضاعه للحسابات الأميركية.
وزير الخارجية الفرنسي رولان دوما يعلن أنه قد يزور بغداد (لم يعلن أحد وزراء الخارجية العرب ذلك!) ويؤكد أنه "لا بد من مؤتمر دولي سريع بعد حل أزمة الخليج"، مؤتمر يبحث "حقوق الإنسان، استغلال الثروات، نزع السلاح، احترام سيادة الدول، وبالطبع، الأمن الإ"قليمي".
تقرّر دول السوق الأوروبية المشتركة عقد لقاء مع وزير الخارجية العراقي طارق عزيز في طريق عودته من واشنطن، ويلمح وزير الخارجية الألماني هانس ديتريش غينشر، الخارج قوياً بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة في بلاده، أنه قد يتوجّه قريباً إلى بغداد...
بريطانيا، حتى بريطانيا، تسعى إلى تمييز نفسها عن الولايات المتحدة في سياق سعي رئيس الوزراء الجديد جون ميجور إلى تمييز سياسته عن "التاتشرية".
ويحصل الشيء نفسه مع الاتحاد السوفياتي وعدد كبير من الدول الأخرى. والملاحظ أنه، حيال هذه الجمهرة من الدول، تستخدم الولايات المتحدة موقف العرب المؤيدين لها، من أجل إنتاج موقف عالمي قريب إلى حد بعيد من موقفها.
ما يقال عن هذه السياسات التي تحاول "تلطيف" الموقف الأميركي يقال أيضاً عن إسرائيل التي تحاول "تصليب" هذا الموقف. صحيح أن إسرائيل تشد في اتجاه مخالف للدول التي أشرنا إليها ولكنها تفعل ذلك انطلاقاً من حسابها لمصالحها وتقديرها للاستفادة القصوى التي يمكنها الحصول عليها في هذه الأزمة. لقد نشرت "الواشنطن بوست" الأميركية (5/12/90) أن وزير الخارجية الإسرائيلي أبلغ السفير الأميركي وليام براون تحذيراً "من السماح للعراق بالاحتفاظ بقوته العسكرية سليمة عبر حل سلمي لأزمة الخليج"، ونقل إليه "احتمال إقدام إسرائيل على ضربة وقائية ضد العراق في حال نجح مثل هذا "الاحتمال" وطالبه بأن "تنفّذ أميركا التعهّدات التي قطعتها على نفسها بسحب العراق وإنهاء التهديد العسكري الذي يمثّله باعتبار ذلك شرطاً إسرائيلياً لاتّباع السياسة التي اتّبعتها". بكلام آخر، تضع إسرائيل مصالحها على طاولة التفاوض مع واشنطن وتطالبها باتّباع سياسة خليجية تتلاءم، قدر الإمكان، مع هذه المصالح.
من نافل القول الإشارة إلى أن هذه هي "ألف باء" السياسة. هكذا يتصرّف حلفاء الدرجة الأولى، أما حلفاء الدرجة... العاشرة فراجع، حولهم، الفقرة السابقة!
تتسلّح واشنطن بالموقف العربي لاستصدار موقف دولي. وتذهب بهذا الأخير إلى هيئاتها التشريعية والرأي العام لديها لتخوض سجالاً صعباً.
يتلخّص موقف الإدارة في هذا السجال بنقاط عديدة هذه أبرزها:
1 ـ لا ثقة بقدرة الحصار على فرض الانسحاب من الكويت، لذلك يجب الإبقاء على مصداقية الخيار العسكري.
2 ـ المعروض على بغداد هو الدمار الكامل للعراق أو التراجع السياسي والموافقة على تقييد القوة العسكرية والدور الإقليمي ورفع الضغط عن تسعير النفط وتهديد إسرائيل.
3 ـ إضافة بند جديد على الموقف الدولي الرسمي هو ما يعتبره الرئيس بوش "أمن الخليج واستقراره" مع أن هذا، حسب قوله في التشيلي، "غير وارد في القرارات الدولية".
4 ـ تأكيد رئيس الأركان كولين باول بأن "الحاجة إلى بقاء قوة عسكرية أميركية مهمة في المنطقة ستظل قائمة حتى بعد انتهاء أزمة الخليج".
5 ـ طلب تفويض من الكونغرس لبدء القتال حين تقرّر الإدارة ضرورة ذلك.
في مواجهة هذه المواقف، المدعومة عربياً، تطالب المعارضة الأميركية بإعطاء الوقت الكافي للمقاطعة وتدافع عن التأثيرات التي يتركها الحصار من أجل التشديد على ضرورة إبعاد شبح الحرب (حصلت وجهة النظر هذه على دعم غير متوقع من رئيس المخابرات المركزية وليام وبستر).
إلى ذلك تشترط المعارضة طلب موافقة الكونغرس على أي قرار بالحرب وتحاول إرغام الرئيس على قبول ذلك باللجوء إلى شتى الأساليب ومن بينها مقاضاته (5 من أصل 200 تدخل عسكري أميركي بعد الحرب العالمية الثانية حصلت على إذن مسبق من الكونغرس).
يختبئ، وراء هذا النقاش، تقدير متفاوت للمصالح الوطنية الأميركية. ويقف في الصف المناوئ للرئيس بوش رؤساء أركان سابقون وسياسيون لا يستهان بوزنهم (روبرت ماكنمارا، أحد مهندسي حرب فيتنام، ادوار كنيدي، ماريو كوومو، باتريك موينهن، سام نان...) وملخّص رأيهم أن الرئيس ذهب بعيداً جداً وسريعاً جداً وأن كثافة الحشد العسكري زائد القرار الدولي يمكنهما أن يدفعا، في حد ذاتهما إلى حرب.
يستند موقف المعارضة هذا إلى تحوّل كبير في الرأي العام برز منذ الإعلان عن مضاعفة القوات الأميركية. وتقول "نيويورك تايمز" (6/12/90) حول ذلك إنه "لأول مرة في التاريخ الحديث تملك إدارة أميركية دعماً من الخارج لموقفها من قضية دولية مهمة أكثر ممّا تملك في الداخل... ولأول مرة يكون الرأي العام والطبقة السياسية منقسمين إلى هذا الحد في بداية أزمة وليس في منتصفها (فيتنام) أو في نهايتها (كوريا)".
ويذهب بعض المراقبين إلى الحديث عن انهيار تحالف الحزبين الكبيرين واحتمال أن يكون الديمقراطيين قرروا تحويل أزمة الخليج إلى العنوان الرئيسي للمواجهة مع بوش. وقد ظهر جلياً في جلسات الاستماع في الكونغرس حيث بدا ممثلو الإدارة في موقع دفاعي وفشلوا في الحصول على التفويض الذي يطالبون به بالرغم من أن موقفهم كان تحسّن، بعض الشيء، نتيجة فتح الحوار وليس نتيجة ما حصلوا عليه من إجازة للحرب.
***
"الثنائية" قائمة في الولايات المتحدة مع أنها متراجعة على الصعيد العالمي. وهي تتمحور، حالياً، حول أزمة الخليج انطلاقاً من الشعار الذي رفعه الرئيس بوش: لا فيتنام جديدة. مؤيّدو الإدارة يقولون إنها لن تكون خسارة جديدة، ومعارضوها يقولون إنه لا ضرورة لحرب جديدة. "تدل استطلاعات الرأي العام أن معارضة الحرب هي أكبر بكثير بين النساء وبين الذين عرفوا حرب فيتنام وخبروا مآسيها".
قد تكون هذه "الثنائية" هي التي يحاول العراق مخاطبتها بالإقدام على إطلاق سراح الرهائن. ولكنها، بالضبط، "الثنائية" التي يريد بعض العرب تجاهلها وإيهام النفس بأن الولايات المتحدة تقف، صفاً واحداً، وراء مطالبهم وصولاً إلى الاستعداد للقتال من أجلها.
لا وجود لأي وهم حول عمق الخلافات في أميركا. ولا مبرّر، في المقابل، لتجاهلها وصمّ الأذن عنها. إنها، اليوم، أحد العوامل الرئيسية التي تجعل الحرب صعبة بعض الشيء. كان يمكن تطويرها لو أن قسماً من الحكومات العربية ليس مضروباً بـ"السيندروم الكويتي" الذي يجعل منه حجر الأساس لخطة أميركية، معادية للعرب، يتحفّظ عليها قسم من العالم ويعارضها أميركيون نافذون. هذا هو الثمن الذي يدفعه مَن يختار، طوعاً، أن يكون حليفاً من الدرجة العاشرة.
الحلقة العربية هي الأضعف في سلسلة المتحالفين مع الولايات المتحدة يتم اختراقها أولاً ثم تكرّ السبحة. وهي على هذا الضعف لانعدام وجود قرار سياسي بمواجهة واشنطن.
