"الحد الأدنى من الأخلاق يقود إلى المعارضة الشاملة"
في يوم واحد اقترع البرلمان التشيكوسلوفاكي مرتين: مرة لتنصيب ألكسندر دوبتشيك رئيساً له، والثانية لتعيين فاكلاف هافل رئيساً للجمهورية(*). أنهى الأول، بذلك، عزلة قسرية عمرها عشرون عاماً. وتحوّل الثاني، من سجين سياسي سابق، إلى الرجل الأول في الدولة. وليس سراً أن البرلمان إيّاه هو إحدى المؤسسات العازلة لدوبتشيك والساجنة لهافل. ومع ذلك تراجع ضغط "الثورة المخملية" واستدار بالكامل لتكريم خصوم الأمس... وبالإجماع!
إذا عدنا عشرين سنة إلى الوراء، أي إلى العام 1969، نجد أن الرجلين جمعهما موقف واحد: رئيس كان يحاول الإصلاح من أجل إسباغ "الوجه الإنساني" على النظام الاشتراكي، ومثقف يحاول، من موقعه، دعم هذه الوجهة. لقد أدى إفشال هذا المشروع إلى انسحاب الأول من الحياة السياسية، واستمرار الثاني في دفاعه عن المبادئ نفسها. في تلك الأيام، بعد إسقاط "ربيع براغ" في 1968، وجملة التطورات التي تلت ذلك، أرسل هافل رسالة إلى دوبتشيك، وهو يقول، اليوم، إنه واثق أنها وصلته.
يقول هافل في كتابه "استجواب من بعيد" (كناية عن حوار طويل أجراه معه صحافي تشيكوسلوفاكي وصدر قبل أسابيع بالفرنسية)، يقول إنه وجد نسخة من هذه الرسالة. ويمضي متذكّراً تلك المرحلة ليشير أنه أصيب بقلق كبير عشية إعلان دوبتشيك عن موقفه: هل يقوم بالنقد الذاتي المفروض عليه أو يضع نهاية شريفة لدوره السياسي؟ وبما أن هافل كان يخشى أن يتغلّب ـ لدى دوبتشيك، الولاء العميق للحزب فقد حاول التدخل لديه لإقناعه بانتهاج سلوك آخر. قال له إنه من الأهمية بمكان، لمستقبل الأمة والاشتراكية، أن يبقى أميناً لنفسه في وقت لم يعد يملك شيئاً يفقده. أضاف "أن عملاً مستوحى من الهموم الأخلاقية، ولو من دون أمل في إحداث أثر سياسي مباشر، يمكنه أن يكتسب قيمة مع الزمن". ولكن يبدو أن دوبتشيك، بهذه الرسالة أو من دونها، كان قد اتخذ قراره. لقد انسحب بهدوء وخجل من الحياة السياسية. وانتظر عشرين عاماً قبل أن يضفي الزمن قيمة على عمله ليعود، بالصخب المعروف، ومع فاكلاف هافل، إلى قمة السلطة في براغ المتحولة!
القوى الصاعدة
يمثّل الثنائي دوبتشيك ـ هافل عيّنة عن الطاقم الصاعد إلى الحكم في عواصم أوروبا الشرقية والوسطى: شيوعيين سابقين إصلاحيي النزعة ومثقفين معارضين ذوي همّ أخلاقي ـ اجتماعي. والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى. هذا النوع من القيادات هو الذي قاد تحول الحزب الشيوعي الهنغاري إلى حزب اشتراكي. وهو الذي يقود، اليوم، الأحزاب المتفرعة عن الحزب الشيوعي البلغاري. وفي رومانيا ليست "جبهة الخلاص الوطني"، أولاً، ثم "الجبهة المؤقتة للوحدة الوطنية" إلاّ تعبيراً، ولو غير موفق تماماً، عن هذا اللقاء. في ألمانيا الشرقية أعلن الشيوعيون أنفسهم اشتراكيين تمهيداً للانتخابات التشريعية في 18 آذار (مارس) التي يتوقع للحزب الاشتراكي الديمقراطي أن يفوز فيها. وفي بولونيا، أيضاً، انشق حزب العمال الموحّد (الشيوعي) إلى حزبين، اشتراكيين ديمقراطيين لا يختلفان سوى في أن الأصغر بينهما يريد أن يكون أكثر اشتراكية ديمقراطية من الأكبر. وحتى في قيادة "تضامن" نجد أن أبرز القيادات كانت شيوعية سابقة قبل أن تخفف غلوائها باتجاه الأفكار الاشتراكية: جيريميك، كورون، ميتشنيك. وحتى إذا كان رئيس الوزراء تاديوس مازوفيتسكي ينفذ سياسة ليبرالية فهو يفعل ذلك اضطراراً من دون أن ينسى ماضيه المسيحي اليساري والأفكار التي تربى عليها، ولقد، كان ملفتاً للنظر أن ينبري ليش فاليسا عشية انعقاد المؤتمر الاستثنائي للحزب الشيوعي ليطالب بانبعاث تيار يساري إصلاحي قوي يمنع بولونيا "التي لا يمكنها إلاّ أن تسير على قدمين" من الانزلاق القوي في اتجاه اليمين!
لا يعني ما تقدم أن موجات التغيير في أوروبا الشرقية كانت كلها من هذه الطبيعة. ثمة انبعاث، أيضاً، لتيارات يمينية ويمينية متطرفة ولكنها تعاني من مشكلة الأحزاب الشيوعية نفسها. فهذه الأخيرة، بالرغم من تحولها، لن تستطيع التهرّب من دفع ثمن الماضي القريب. وكذلك فإن الأحزاب اليمينية واليمينية المتطرفة سوف تدفع ثمن ماضيها الأبعد. لقد كان معظم هذه الأحزاب حاكماً في بلدانه بين الحربين وتميّز بفرض الديكتاتورية من جهة (باستثناء تشيكوسلوفاكيا) وبالتعاون مع النازية من جهة أخرى. ولذلك فإن عودته إلى الحياة لا تثير حماس مواطنيه في حين أنها تثير حفيظة الرأي العام الغربي (والقوى السياسية أيضاً) الذي لا يجد فيها انعكاساً لديمقراطيته وليبراليته، على علاتهما.
وتعطي ألمانيا مثلاً واضحاً على ما نقول. ففي الشرق يحاول الحزب الجمهوري الغربي ذو الاتجاهات النازية أن يثبت قدميه من دون أن ينجح. وكذلك يحاول هلموت كول بث الحياة في جسم التيار الديمقراطي المسيحي اليميني فيفشل لأسباب كثيرة منها أن الحزب المذكور أمضى عقوداً من الزمن في تحالف متين مع الشيوعيين!
هذه الخارطة الجديدة، وغير النهائية طبعاً، للوضع السياسي في أوروبا الشرقية تفسّر هذا النوع من الإحباط الذي أصيب به اليمين الأوروبي الغربي. لقد كانت مارغريت تاتشر شديدة الحماس لإسقاط الأنظمة الشيوعية ولكن حماسها خفّ بعدما تبلورت البدائل المتوقعة. وما يقال عنها يقال عن اليمين الفرنسي الذي يسجل فشلاً ذريعاً في توظيف أحداث أوروبا الشرقية في السجال مع الحزب الاشتراكي الحاكم فلا يجد أمامه سوى الإمعان في التهجّم على حزب شيوعي مهمش أصلاً. وهلموت كول نفسه يضع يده على قلبه خوفاً من أن يعزز فوز الاشتراكيين الديمقراطيين شرقاً في انتخابات آذار (مارس) اتجاه الألمان الغربيين للتصويت للاشتراكيين الديمقراطيين في انتخابات كانون الأول (ديسمبر) 1990. وهو أمر، إذا حصل، لن يكون أقل من انقلاب "السحر" على الساحر!
هافل والاشتراكية والرأسمالية
بهذا المعنى يشكل الثنائي دوبتشيك ـ هافل، على الخلافات بينهما، عيّنة عن القوى الجديدة في أوروبا الشرقية، أو عن بعضها الأقوى، على الأقل.
وإذا كانت أفكار الرئيس التشيكوسلوفاكي السابق معروفة فإن الكثيرين يدهشون عند التعرّف على أفكار الرئيس التشيكوسلوفاكي الحالي. وليست الدهشة مدعاة للسرور عند الجميع، لا بل إن هناك مَن يكتم غيظه ويتجاهل الجوانب الفكرية والسياسية عند هافل ليتوقف فقط أمام مسرحياته وكتاباته الأدبية! (رسمت منشورتان عربيتان صورة شخصية لهافل فإذا به كاتب مسرحي من الطراز الأول لم يسبق له أن تعاطى السياسة أو كتب فيها أو أدلى بوجهات نظر في قضاياها!).
عندما يُسأل هافل "هل أنت اشتراكي؟"، يجيب: "اعتبرت نفسي، باستمرار، اشتراكياً. ولكن فقدان هذه الكلمة لمعناها والاستخدامات التي تعرّضت لها تجعل أفكاري تضطرب". يضيف: "الاشتراكية، بالنسبة لي، هي موقف إنساني، أخلاقي، عاطفي". نعم، يعتبر هافل نفسه اشتراكياً ويؤسس لذلك على نقد جذري لكل من النظامين الشيوعي والرأسمالي الليبرالي. فالغرب، في رأيه، "يجتاز، مثل بلدان الشرق، أزمة متشابهة، لا بل متماثلة تماماً". أكثر من ذلك يرى هافل في بعض جوانب الأزمة الاشتراكية تطويراً للجانب المأزوم في الرأسمالية. والمثال الذي يقدمه على ذلك هو "التأميم الاشتراكي". لا يقف ضد التأميم الشامل دفاعاً عن الملكية الخاصة، والمبادرة الفردية، ودور رأس المال في الإنتاج. يقف ضده لأنه يعتبره استكمالاً لفصل المنتج عن إنتاجه، هذا الفصل الموجود أصلاً في النظام الرأسمالي والذي يصل في "الاشتراكية الواقعية"، إلى ذروة غير مسبوقة. "الاستلاب" في رأي هافل، "كان رأسمالياً في البداية. وكذلك لا يمكن لعودة الرأسمالية أن تكون الحل. إن أخطر ما نواجهه هو أن كل ما نقوم به يضيع معناه".
لا ينكر هافل أن تكون الرأسمالية أكثر ربحية فهذا، في رأيه، ثانوي جداً. لكنه يستدرك قائلاً إن الوضع في الشركات الرأسمالية العملاقة، بالنسبة للعامل، أسوأ منه في المؤسسات الاشتراكية. صحيح أن الألوان الخارجية للرأسمالية زاهية وأن الاشتراكية، تنويعات على الرمادي. "ولكن الحياة، في أي منهما، هي صحراء وفقدت معناها".
المطالعة التي يقوم بها هافل نقداً لفصل المنتج عن إنتاجه، أي عن حياته ومصيره، يمكن أن نجدها في كتابات ماركسية عديدة، بدءاً بكتابات ماركس نفسه، ولكن ميزة هافل، أو جديده، هي أنه يعاينها في نظام يدّعي الاشتراكية ويعجز حتى عن ضمان مردودية مقنعة. وعلى هذا الأساس فإن تفوّق نظام على آخر كامن في أن أحدهما يعتمد الديمقراطية السياسية، والتعددية، ورقابة الرأي العام، في حين يقوم الثاني على حكم الحزب الواحد وإلغاء الحريات واعتماد الكذب اليومي عدّة فكرية لا عدّة غيرها ولا حماية لها غير... القمع!
النشأة والعمل المسرحي
ثمة مفارقة في انحياز فاكلاف هافل إلى هذا "الموقف الإنساني، الأخلاقي، العاطفي" الذي يسميه، مع بعض التردّد، الاشتراكية. ولد هافل، عام 1936، في بيت بورجوازي. وهو عندما يقول ذلك يستدرك أن هذه الولادة لم تقده "إلى التماهي مع الروحية البورجوازية والنظام الرأسمالي". كان "لديهم" في البيت: طباخة، وخادمة، وجنائني، وسائق، ومربية خاصة. لكن هذه الامتيازات سببت له "خجلاً شديداً" فلم يعد يطلب سوى "إزالتها طامحاً إلى المساواة مع الجميع". التمرّد الأول كان، بالطبع، التمرّد ضد العائلة وذلك في وقت كان الحزب الشيوعي حزباً جماهيرياً بكل معنى الكلمة. ومع ذلك لم يعتنق هافل، ولا مرة في حياته، الأفكار الشيوعية. قاده انتماؤه، فضلاً عن تمرّده، إلى تعزيز، الحساسية الاجتماعية، وهذه مفارقة يعترف بها، ويلاحظ أنها ترجمت نفسها على شكل "ردّات فعل حيال الامتيازات غير المستحقة والحواجز الاجتماعية".
استفاد هافل من بيئته لأنها وضعته، مباشرة، في قلب جو ثقافي. فكري ثري جداً. وهو يتلذّذ، باستمرار، في تعداد الصحافيين والفنانين والفلاسفة والمثقفين والأدباء على أنواعهم الذين كانوا "أصدقاء" العائلة والذين أقحموه في عالم الثقافة التشيكوسلوفاكية والأوروبية من بابها العريض.
تعرّض هذا الزاد الثقافي لصدمة كبرى عندما حان موعد الدخول إلى الجامعة وأراد هافل أن يكون في إحدى كليات الدراسات الإنسانية. لقد رفضت السلطة الشيوعية طلبه، عقاباً له على منشئه، وفرضت عليه الدخول إلى كلية الاقتصاد وإلى فرع المواصلات بالتحديد (!) لم يمنعه هذا من مواصلة اهتماماته الأدبية وصولاً إلى المشاركة في المؤتمر الثاني لاتحاد الكتّاب في تشيكوسلوفاكيا عام 1956. عقد المؤتمر في ظل أجواء متضاربة. كان الحزب الشيوعي السوفياتي قد أدان الستالينية في مؤتمره العشرين، ولكن الدبابات كانت تمارس القمع في بودابست. غومولكا، في بولونيا، كان يخرج من السجن إلى السلطة، وفي تشيكوسلوفاكيا كانت "نسمات حرية" خفيفة تهب على الحزب والمجتمع. لقد شكل المؤتمر أول تجربة عمل عام لهافل. لقد ألقى فيه خطاباً جريئاً استأثر بقسم كبير من المناقشات، ولعب دوراً في الدفع نحو إصدار مجلة ثقافية "كفيتين" (KVETEN) رسمية ومفتوحة على أطروحات أدبية جديدة.
لم يتسنّ لهافل المشاركة في المجلة إذ كان واجباً عليه، في العام التالي، 1957، أداء خدمته العسكرية. وتشاء الصدف أن يحصل احتكاكه الأول بالمسرح وهو في ثياب الجندية. هناك أخرج أولى مسرحياته "ليالي أيلول"، وكتب أولى مسرحياته "الحياة أمامنا"، وعرف الرقابة للمرة الأولى أيضاً. إذ إن لجنة عسكرية أدانت المسرحية الثانية باعتبار أنها تركز على حياة الجنود ولا تقدّم أي "بطل إيجابي" قريب من النماذج التي تحبها "الواقعية الاشتراكية".
فور تسريحه بدأ هافل العمل، كفني، في أحد المسارح الهامشية. واستمر يتنقل من مسرح إلى آخر حتى العام 1968.
المسرح في رأي هافل هو "بيئة حية وحيّز يتحقّق فيه الوعي الاجتماعي". المسرح علاقات، وصلات، وحياة جمعية، واشتراك. المسرح فرقة متعاضدة وعلاقة مع جمهور. المسرح حالة ضد الفردية والتفتيت والتذرر الاجتماعي. فكيف إذا كان هافل عمل في عدد من المسارح الصغيرة، الانتقادية، النائية عن رقابة السلطة، والتي لا تلعب دور قناة تمرير الأيديولوجيا الرسمية. ليست مسارح معارضة بالمعنى السياسي. إنها مجرد "خشبة" تدير ظهرها للسلطة وتضع اليومي، يومياً، في مواجهة الأيديولوجي.
أضف إلى ذلك أن المسرح كان، في الستينيات، جزءاً من حركة "معارضة سلبية" أوسع تبدأ في العلوم الإنسانية وتطال السينما، والرسم، والموسيقى (الموسيقى خاصة) والشعر، وهي حركة تحدث تصدّعاً في البنيان السلطوي وتقود، كما يذكر هافل إلى "الوعي والتحرّر الاجتماعي" أي إلى "ربيع براغ" في 1968.
يلخّص هافل هذه المرحلة بقوله إن "الفكرة التي تعتبر الكاتب ضمير أمته هي فكرة مبررة، تاريخياً، لدينا. لقد لعب الكُتّاب، طيلة سنوات، دور رجال السياسة وكان تجدد الشعب يرتبط بهم. احتفظوا باللغة حية، وشجعوا الوعي الوطني، وترجموا إرادة الأمة". لذلك لم يكن غريباً أن تستمر المواجهة الصامتة بينهم وبين السلطة وإن اضطرت هذه الأخيرة، إلى اعتماد الإغراء، فضلاً عن القمع من أجل استيعابهم. وصلت المواجهة إلى الذروة في المؤتمر الرابع لاتحاد الكُتّاب في 1968. ففي هذه المناسبة حصل القطع بين الكُتّاب وبين الحزب، ولعب عدد من الحزبيين الإصلاحيين، ضمن اتحاد الكُتّاب، دوراً كبيراً في قيادة هذه العملية (عبر مجلة "تفار"TVAR) التي يعتبرها هافل، عن حق، نوعاً من السنونو الذي يبشّر بالربيع.
1968
يوجّه هافل نقداً لعدد من المثقفين المتمسكين بمناصبهم، وامتيازاتهم، ضمن الاتجاه وخارجه، ويعتبرهم مسؤولين عن التخلف عن الحركة الإصلاحية التي لعبوا دوراً في إطلاقها وذلك بمجرد أن بدأ المجتمع يتحرك وأصيب الحزب الحاكم بالعدوى. ضغط المجتمع والتجاوب القسري، ولكن السريع، للحزب هما المسؤولان الرئيسيان عن تجربة "الاشتراكية" ذات "الوجه الإنساني" التي قادها دوبتشيك والتي يعتبرها هافل أكثر بكثير من مجرد "مواجهة بين مجموعتين سياسيتين". وهو، إذا كان يتجاوب معها ويؤيدها، (كتب مقالاً يومذاك يدعو فيه إلى نشوء حزب ديمقراطي يشارك في اللعبة السياسية) فإنه يقدم عدداً من الملاحظات على قيادتها. أبرز تلك الملاحظات تلك التي قالها، شفاهاً، لألكسندر دوبتشيك في الاجتماع الذي دعت القيادة السياسية المثقفين إليه: ضرورة العمل على منع التدخل السوفياتي بإيجاد حالة ضاغطة في تشيكوسلوفاكيا وأوروبا، تشريع الحزب الاشتراكي ـ الديمقراطي، دعم المسجونين السياسيين، إسقاط الأوهام حول السلوك المتوقع للكرملين، عدم البقاء في موقف دفاعي...
استمع دوبتشيك جيداً (وهذا ما أعجب هافل) ولكنه لم يأخذ بـ"النصائح" أو أن الأحداث تجاوزته. وهكذا فشلت القيادة في استغلال طاقات المجتمع مما سهّل تدخل قوات حلف وارسو وأثار المقاومة السلبية ضدها وأحدث حالة تضامنية لا يجد هافل، برغم موهبته، كلاماً كافياً لوصفها. وسرعان ما حل الإحباط محل الحماس و"اختلطت رغبات المرحلة وصعوباتها وتضحياتها بحس السخرية السوداء". يقول هافل "يستغرب الأجانب قدرتنا على تحمّل تجارب من هذا النوع والسخرية منها في آن معاً. من الصعب تبيان أنه لن يكون في وسعنا القيام بأعمال صعبة وجدية من دون سخرية. ولو كان علينا أن نظهر قدراً من الجدية متناسباً مع ازدياد خطورة الوضع لكان كل واحد منّا تحوّل إلى تمثال لنفسه، تمثال لا يكتب بيانات ولا يؤدي مهمة. وإذا كان لا يجب على المرء أن يذوب في جديته الخاصة إلى حد إثارة السخرية فالواجب هو امتلاك حس السخرية والهزء. عندما نفقد هذا الحس، يفقد عملنا، وهنا المفارقة، جديته".
التطبيع والرد الأخلاقي
بعد 68 بدأ التطبيع وشرع النظام في الاعتداء "على الحياة الطبيعية وعلى الحرية والشخصية الإنسانية". وبدأت المقاومة. سجن هافل لسنوات بعد أن طوّر معركة الدفاع عن فرقة موسيقية إلى حد المشاركة في تأسيس "شرعة 77" (بعد اتفاقات هلسنكي في 1975) التي نشطت في إصدار المواقف والتحاليل والدفاع عن حقوق الإنسان. كانت التزاماً أكثر منها عريضة فاق عدد الموقعين عليها الألف ومئتين.
من 68 مروراً بـ77، وبعد منع مسرحيات هافل، كتب الرجل كثيراً في السياسة. تحوّل إلى داعية لإحياء المدى العام، والمواطن الحر، ورفض الطاعة. قاوم الحرب الدائمة ضد المجتمع المدني والفرد وطالب بكسر رغبة السلطة في تنميط المواطنين، وإلغاء الفروقات وبناء شخصية كاذبة وغير واقعية، ودمج كل فرد في بنية السلطة ودفعه إلى إلغاء هويته من أجل تبنّي هوية النظام، وإشراكه، هكذا، في المسؤولية عن الدوران في فلك الحكم وفي اعتبار المعارض مشبوهاً لا بل... مريضاً.
اعتبر هافل أن الحقيقة قوة سياسية بامتياز وهي تبدأ بأن يحمي كل واحد نفسه من غزو الكذب الرسمي. فإذا حصلت الحماية استيقظ المجتمع المدني وحمى علاقاته وساعد في ذبول الفكر الآتي من "فوق" وتكون علامة الذبول استمرار التاريخ خلافاً لتوقعات الأيديولوجيا الرسمية!
يبقى أن الفكرة العامة في كتابات هافل، والتي تتكرر أكثر من غيرها، هي إسناد السياسة إلى الأخلاق. لا بل إن السياسة هي، في عرفه، "الأخلاق قيد التطبيق والممارسة". وهو يعتبر "أن أزمة المجتمع، في جوهرها، أخلاقية"، لذلك "فإن المخرج المنطقي الوحيد أمام المواطنين يجب أن يكون أخلاقياً"، وبما أن المعارضة هي حاملة هذا المخرج فإن "الحد الأدنى من الأخلاق يدفع، وحده إلى المعارضة الشاملة". ويعرّف هافل ما يعنيه بذلك مستعيداً رسالته إلى دوبتشيك: "القول عن شيء ما إن جوهره أو أصله أخلاقي يعني أننا لا نقوم به لأسباب براغماتية، أو لأننا واثقون أنه سوف ينجح على الأمد القصير ويعطي نتائج ملموسة، مادية، يمكن التحقّق منها، ولكن فقط لأننا نعتبره أمراً جيداً. يدفعنا الحافز الأخلاقي لعمل الخير من حيث المبدأ، حباً في الخير. وهو يستند إلى معطى ثابت يختلف جداً عن ذلك الذي يسند السلوك البراغماتي، إلى قناعتنا الجوهرية بأن الخير، في حد ذاته، له، باستمرار، معنى... الحافز الأخلاقي يدفعنا إلى القيام ببعض الأعمال من دون الاهتمام بمعرفة متى وكيف ستكلل بالنجاح ومن دون أية ضمانة بالقدرة، ذات يوم، على الاستفادة منها".
هذه "الأخلاقية" لا تمنع هافل، وهو في موقعه الجديد، من اعتبار أن التسويات ضرورية. ولكن هناك تسوية وتسوية. حسه السياسي الذي جعله "بطلاً بالرغم منه" يبقى محكوماً بالهم الأخلاقي ويجعل من صاحبه، كما يقول عن نفسه، رجل التناقضات: "يعتبرونني سياسياً وأنا لست كذلك. لست فيلسوفاً، ولا ناقداً أدبياً، ولا موسيقياً، لست اختصاصياً في المسرح ولا أنتمي إلى أي مجال. سمعتي هي أني معارض مشاغب ولكني قليل الثقة بنفسي. أخاف كثيراً وأشعر أحياناً بالشجاعة والقوة. منظّم وفوضوي. أحب الكسل وملذات الحياة. بطولة السجن المنسوبة إليّ ناتجة، في الحقيقة، عن هلع ومخاوف لا تنتهي: مثل طفل يستبدّ به الرعب لأنه يواجه الحياة، يخاف مسبقاً ويشك في موقعه فوق الأرض. أني أحتمل السجن أقل بكثير ممن كان احتمله كثيرون غير عبّروا عن إعجابهم بي. سوف أتعذّب باستمرار، أخاف، أرتعب، ألوم نفسي، ألعنها، أيأس، ولكن الناس يعرفون أن بوسعهم الاعتماد عليّ وأنهم يجدونني حيث هو مكاني. سأدفع ثمن ذلك غالياً لكني سأتحمّله بالرغم من كل شيء، وسأستمر في الإزعاج حيث يتوجّب ذلك".
... وبالفعل استمر فاكلاف هافل في الإزعاج إلى أن وجدناه حيث مكانه، في قصر الرئاسة!
(*) يستند هذا التعريف بفاكلاف هافل إلى كتابين بالفرنسية: "استجواب من بعيد" و"كتابات سياسية". كتاب رئيس الوزراء البولوني تاديوس مازوفيتسكي ـ وجه آخر لأوروبا يؤكد اشتراك كاتبه مع هافل في أفكار عديدة.
