"البناء من أجل السلام" على الطريقة الأميركية

عندما وصل الرئيس جورج بوش إلى السلطة كان أمامه تقرير عنوانه "البناء من أجل السلام" يتناول القضايا المطروحة في الشرق الأوسط ويقترح خطة للتعامل معها.
ومع بدء تشكيل الإدارة الجديدة احتل واضعو التقرير مراكز مهمة فيها وأصبحوا، من وزارة الخارجية إلى وزارة الدفاع، في موقع من يملك الكلمة المؤثرة لصياغة سياسة واشنطن في هذه المنطقة الحساسة من العالم.
جاء في حيثيات التقرير أن "اندلاع الانتفاضة الفلسطينية في غزة والضفة الغربية وإدخال الصواريخ ذاتية الدفع والأسلحة الكيماوية في الشرق الأوسط، أدّيا إلى ظهور إدراك جديد لضرورة حل الصراع العربي ـ الإسرائيلي...". يضيف التقرير "أن الصراع بين دول الشرق الأوسط يتّجه ببطء ـ وإن بشكل مؤكد ـ إلى العودة إلى الوضع الذي يضع كل طرف إصبعه على الزناد. وفي هذا الوضع يتّسع نطاق الدول التي يمكن أن تشترك في حرب بالمنطقة، كما أن القدرة التدميرية للأسلحة المتاحة يمكن أن يكون لها نتائج مدمرة بالنسبة لجميع الأطراف المعنية كما ستكون قدرة الولايات محدودة في منع أو احتواء أو وقف مثل هذه الحرب".
ويخلص التقرير إلى القول بأنه يفترض في الاستراتيجية الأميركية "أن تعيد تشكيل البيئة السياسية بما يؤدي إلى استقرار التوازن العسكري" وصولاً إلى تحقيق المصالح الدائمة للولايات المتحدة في المنطقة وهي: بقاء وأمن إسرائيل، رخاء الدول العربية المعتدلة، كفالة حصول الغرب على بترول الشرق الأوسط، منع سيطرة السوفيات أو التطرف على المنطقة.
يتناول التقرير، بالطبع، عناصر أخرى في المنطقة فيتحدث عمّا كان موجوداً من "توازن داخلي" في إسرائيل، ومن انقسام فلسطيني وعجز عن اتخاذ أية مبادرة سياسية، وعن مستجدات الموقف الأردني، وتردد السياسة المصرية، وتحوّل الموقف السوفياتي، وهي كلها أمور ظهر، لاحقاً، أن التقدير الأميركي لها ليس دقيقاً بما فيه الكفاية.
المهم أن الإدارة الأميركية وضعت نصب عينيها الاهتمام بـ"مشكلتين": الانتفاضة الفلسطينية ونتائج "الهدنة" في حرب الخليج.
***
على صعيد الانتفاضة جاء في التقرير ما حرفيته أن "المشروعات التي تحاول حل المشكلة الفلسطينية بضربة واحدة من المرجح أن تلقى الفشل وأن تسفر عن نتائج عكسية، ولكن ظهور عملية متطورة تشترك فيها الأطراف بمحض إرادتها وتقدم فوائد قصيرة المدى ووعداً مستقبلياً من دون أن تتبعها على الفور مخاطر كبيرة هي وحدها التي من المرجح أن تلقى فرصة للنجاح، والعملية التي تساعد على إصلاح البيئة السياسية عن طريق تعزيز الثقة المتبادلة هي وحدها التي تخلق الظروف التي يمكن أن تجري المفاوضات الرسمية في ظلها في النهاية".
شرعت الإدارة في تطبيق الشق الفلسطيني من تقرير "البناء من أجل السلام" بعد أن كانت ورثت عن سابقتها الحوار مع منظمة التحرير الفلسطينية. واعتبرت هذه الإدارة أنها حققت نجاحاً أوليّاً عندما اضطرت إسرائيل إلى طرح مشروع رابين ـ شامير للانتخابات في الضفة والقطاع، هذا المشروع الذي طرحت عليه عشرة أسئلة مصيرية فتحوّل بعدها إلى "خطة بيكر". رفض الجانب الإسرائيلي نقاطاً في خطة بيكر مما أدى إلى سقوط حكومة "الاتحاد الوطني" ومجيء حكومة التطرف على خلفية الهجرة اليهودية المنفلتة من عقالها، أي أن الإدارة الأميركية لم تنجح في إقناع حليفها الإسرائيلي بالقبول بالحد الأدنى الذي يسمح ببدء مفاوضات.
في غضون ذلك كان الجهد الأميركي ينصب في اتجاه آخر. لقد جرى، تدريجياً، تفريغ الحوار المباشر مع المنظمة من مضمونه ليصبح متقطعاً وذا بند وحيد هو ممارسة الضغط على الفلسطينيين. وخاضت واشنطن حرباً ضد المنظمة في الهيئات الدولية كلها لمنع الاعتراف بالدولة الفلسطينية وإعلان الاستقلال وحرمان القيادة الفلسطينية والانتفاضة من تثمير "هجوم السلام" الذي دشنه المجلس الوطني، ومارست الولايات المتحدة حق النقض مرات في مجلس الأمن لمنع إدانة إسرائيل وصولاً إلى التراجع عن تعهدات قطعتها بالموافقة على إرسال مراقبين من الأمم المتحدة إلى الأرض المحتلة. ورفضت تطوير موقف الإدانة من المستعمرات الإسرائيلية في حين استمرت في تشجيع الهجرة اليهودية وفي إقفال أبوابها أمام اليهود الخارجين من الاتحاد السوفياتي. وبالرغم من التحوّل في موقف موسكو رفضت واشنطن أي دور لها أو لأوروبا من مساعي التسوية، ولم يمنعها ذلك من تعزيز التحالف الاستراتيجي مع إسرائيل وزيادة قدراتها العسكرية.
باختصار، مارست الولايات المتحدة ضغوطاً هائلة لتخفيض سقف المطالب العربية وصولاً إلى خطة بيكر. ولما رفض الجانب الإسرائيلي الخطة وأقدم على تشكيل الحكومة المتطرفة تحيّنت واشنطن الفرصة لقطع الحوار مع منظمة التحرير!
***
تطبيقاً للشق الثاني من التقرير المشار إليه سعت واشنطن إلى تطويق العراق بوسائل متعددة منها:
1 ـ مد الجسور مع إيران والسعي إلى استمالتها.
2 ـ منع العراق من لعب أي دور إقليمي يتناسب مع قوته الفعلية. وكانت تداعيات الأزمة اللبنانية مثالاً بارزاً على ذلك.
3 ـ ممارسة ضغط اقتصادي على العراق عبر مطالبته بتسديد الديون والسعي إلى خفض وارداته عن طريق إغراق السوق النفطية وإنزال أسعار البترول والتغطية على ذلك باعتمادات مالية من حوالي مليار دولار هي ثمن مواد غذائية تشتريها بغداد من المزارعين الأميركيين!
4 ـ ولكن المعركة الفعلية كانت ضد القرار العراقي بتطور قدراته العلمية والتكنولوجية والتسليحية. وفي هذا المجال يصعب حصر معالم الحملة الأميركية، والغربية عموماً، على بغداد. لقد جرى تنظيم مؤتمر باريس للحد من الأسلحة الكيماوية لهذا الغرض. ومارست واشنطن ضغوطاً على عواصم عديدة لمنعها من التعاون مع العراق. وأطلقت إسرائيل تهديدات كثيرة في هذا المجال. وجرى افتعال وتضخيم قضية الأسلحة المهرّبة إلى العراق و"المدفع العملاق"، إلخ...
***
هذه هي الطريقة التي اعتمدتها الولايات المتحدة لتجنّب الحرب و"البناء من أجل السلام": نزع أي سلاح رادع في يد العرب وزيادة الدعم لإسرائيل للدفع نحو تسوية بإشراف أميركي تحقق لواشنطن الحفاظ على "مصالحها الدائمة" في المنطقة.
ولعلّ ما نراه اليوم من توتر ونزاعات نتيجة مباشرة لهذه السياسة والدليل على وجود رغبة في مقاومتها وبعض القدرة على ذلك.

08/13/1990