السعار الأميركي
يقال لنا أن أزمة الخليج هي الأولى التي يواجهها العالم بعدما دخل في عصره الجديد، تماماً مثلما كانت حرب الخليج هي الأقسى في مرحلة الاستقطاب الدولي الذي عفا عليه الزمن. ويقال لنا أيضاً أن العصر الجديد هو عصر انتهاء المواجهة بين الجبارين وإبعاد خطر الحروب وانهيار حلف وارسو وتغير جذري في طبيعة حلف شمالي الأطلسي وانصراف واشنطن وموسكو إلى حل المشاكل الإقليمية.
ليس أسهل من حشد الحجج دعماً لهذا التشخيص الذي يملأ أعمدة الصحف ونشرات الأخبار ويتعاقب على شرحه عدد لا يحصى من المعلقين.
ولكن هناك من يزعم أن هذا التقدير كناية عن أكاذيب أو في "أحسن الأحوال" عن حقائق مزورة.
نبدأ بالكذبة الأولى. ليست أزمة الخليج هي الأولى في العصر الدولي الجديد. قد تكون الأكثر خطراً وإحداثاً للضجة وإثارة للمخاوف. ولكنها ليست الأولى. ان البنت البكر للعصر الدولي الجديد هي هجرة اليهود السوفيات نحو فلسطين المحتلة. هذا القدوم الدؤوب واليومي لآلاف المهاجرين هو الإنجاز الأول للتفاهم الأميركي ـ السوفياتي ولحل مشاكل الشرق والغرب (أصبحا، معاً، الشمال) بإلقاء تبعاتها على الجنوب. لقد شكلت هذه الهجرة العلامة الأولى على الطريقة الجديدة التي سوف تدار بها شؤون العالم وهي طريقة لا مكان فيها، على الأرجح، لمطلب "جنوبي" مهما كان محقاً.
الكذبة الثانية هي أننا لا نعيش عصر "وفاق دولي" هذا توصيف غير دقيق. اننا نعيش عصر انهيار في التوازنات الدولية. هناك غالب ومغلوب. لقد خرج الغرب الصناعي، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، منتصراً من الحرب الباردة التي دامت عقوداً. وهو لا يخفي زهوه بهذا الانتصار ولا يقبل أن يشوش عليه أحد احتفاله بالنصر. أكثر من ذلك أنه يريد أن يقطف، بسرعة، ثمرة "جهوده" ولا ينوي السماح لأي كان مشاركته في الفتات.
الكذبة الثالثة هي أن خطر الحروب أصبح بعيداً. إذا كان قارئ هذا المقال قد استغرق ثلاث دقائق للوصول إلى هذه الفقرة فعليه أن يتذكر أنه في خلال هذه الدقائق، يكون سقط العشرات من القتلى في أنحاء مختلفة من العالم وفي حروب لا حصر لها ولأسبابها. ابتعد خطر الحرب عن "المسرح الأروبي" لكنه مقيم في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا.
الكذبة الرابعة هي سعي الجبارين إلى حل المشاكل الإقليمية. غير صحيح. ينسحب السوفيات ومن كانوا أصدقاءهم ويتقدم، غالب الأحيان، الأميركيون وأصدقاؤهم، (إلا في كمبوديا حيث السعي إلى حل المشكلة قد يتم على حساب الصين وحلفائها). وفي ما يعنينا فإن أزماتنا الإقليمية لا تحل. في لبنان المشكلة قائمة، وبين العراق وإيران لم تتحول الهدنة إلى سلام. وفي فلسطين، مشكلة المشاكل، تتعثر الحلول كلها وآخرها الذي اقترحه الأميركيون فرفضه أصدقاؤهم الإسرائيليون معاقبوهم بقطع الحوار مع... منظمة التحرير الفلسطينية! في غضون ذلك تستمر الهجرة ومخاطرها ويستمر الاحتلال والقمع، ويصعد اليمين المتطرف إلى السلطة في تل أبيب ومعه المشاريع التي تهدد الأمن القومي العربي برمته.
هكذا يفترض فينا، نحن العرب، أن نرى الوضع الدولي الجديد وأن نحسن قراءة أزمة الخليج في ضوئه. ولعل مجلة "ايكونومست" البريطانية قد التقطت هذه الحقيقة فأفصحت عن سر وقدمت، للأميركيين، نصيحة.
أما السر فهو أن ضرب العراق واجب. وأنه واجب، اليوم، قبل أن يزداد قوة، وتزداد حاجة الغرب إلى النفط ويقل اعتماد الاتحاد السوفياتي على الغرب.
أما النصيحة فهي ضرورة أن يواكب ضرب العراق السعي إلى تقديم حل لأزمة الشرق الأوسط. تقول المجلة أن الأميركيين لا يدركون، ربما، صلة الوصل بين الكويت وفلسطين، ولكن العرب يعتبرون أن الأمرين وجهان لعملة واحدة.
لم يعد السر سراً. أما النصيحة فسيضرب بها الأميركيون عرض الحائط لأن أحد أسباب رغبتهم في ضرب العراق هي الخلاص من كل من تسول له نفسه الحديث عن حل عادل في الشرق الأوسط. (الرفض الأميركي للمبادرة العراقية بتطبيق سائر القرارات الدولية بالانسحاب بالغ الدلالة).
***
السعار الأميركي الذي نعيشه يشير إلى أن الولايات المتحدة أصيبت في منطقة حساسة وعصبية حتى كأن العراق لم يدخل إلى آبار النفط في الكويت بل في... تكساس!
أفاقت الولايات المتحدة ملدوغة، من نوم هانئ لا تتخلله إلا الأحلام السعيدة. لا بل إن ما جرى في الاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية في الأشهر الماضية كان أكثر مما يجرؤ أي مسؤول أميركي على الحكم به. كل يوم خبر مفرح. خصم يتداعى مثل بناء كرتوني. واكتشاف حقيقة أن المعسكر الاشتراكي كان "نمراً فوق ورق". لقد وجدت أميركا نفسها، في خلال أسابيع، محرومة من العدو الذي بنت خططها وموازناتها وبرامجها التعليمية ودعاوتها وعصبية ناسها (الخ...) على التخويف منه والإعداد لمواجهته. إنها صدمة يصعب، بالفعل، على أي كائن أن يستفيق منها بسرعة ويستعيد توازنه. لذلك قام أحد المثقفين العاملين في وزارة الخارجية بتدبير مقال أعلن فيه "نهاية التاريخ" وبشر بالانتصار الساحق والنهائي لليبرالية و"السوق" معلناً، في الآن نفسه، أنه لن يعود يخشى شيئاً سوى... الضجر!
مع اندحار هذا الهم بدأت الولايات المتحدة تتفرغ لمشاكل أخرى تبقى، على أهميتها، أقل أهمية من خطر الدمار الشامل الذي كان يمثله ما كان يسمى، ذات يوم، "المعسكر الاشتراكي".
انتقلت قضية المواجهة الاقتصادية مع اليابان إلى الواجهة وبات هذا البلد يحتل في وعي الأميركي العادي مرتبة العدو الأول. وما أن استقرت طوكيو هنا حتى برزت ألمانيا الموحدة وما تمثله، وسوف تمثله، من طاقة اقتصادية حيوية ومنتجة يصعب على الاقتصاد الأميركي المترهل منافستها.
وشهد العالم كيف أن واشنطن التي أنفقت آلاف المليارات من الدولارات (ميزانية الدفاع وحدها، للعام 1990، وحده، تفوق 300 مليار دولار)! من أجل "مكافحة الشيوعية" تعجز عن توفير مليارات قليلة لمساعدة دول أوروبا الشرقية على التحول نحو الرأسمالية واعتناق قيم الليبرالية واقتصاد السوق. وانسحب هذا العجز نحو أميركا اللاتينية فلم يحصل الحكام الجدد لنيكاراغوا إلا على جزء ضئيل مما كانت الولايات المتحدة مستعدة لدفعه ثمناً لدحر الساندينيين!
وما يشهده العالم يعيشه الأميركيون يومياً. لقد أورثتهم الحقبة الريغانية اقتصاداً هشاً وغير منتج لم يتميز في شيء قدر تميزه في زيادة التفارق الاجتماعي وتعميق الهوة بين الأميركيين (هذه هي، أيضاً، حالة بريطانيا التاتشرية).
منذ فترة والهيئات المعنية في الولايات المتحدة تبحث في كيفية تخفيض العجز في الميزان التجاري وفي الموازنة. وقد استقر الرأي، أخيراً على تقليص نفقات الدفاع بما يتراوح بين 17 و24 مليار دولار، وزيادة الضرائب (برغم من تعهد بوش، المرشح بعدم الاقدام على ذلك) على بعض السلع وفي مقدمتها... الوقود! (أزمة الخليج قد تلغي في آن معاً، كلا من هذا التقليص وهذه الزيادة). وفي غمرة هذا البحث كان يعلن أن الدين الداخلي أصبح يتراوح بين 3 و4 آلاف مليار دولار (ثلاث مرات ديون العالم الثالث التي تبلغ 1322 ملياراً) وأن الولة ستضطر إلى دفع مبلغ 500 مليار دولار كلفة إفلاس عدد من صناديق الادخار (الفضيحة المتورط فيها إبن جورج بوش)، وأن سعر العقارات يتراجع وأن 16 ولاية هي على حافة الإفلاس.
من الطبيعي والحالة هذه ألا تستطيع أميركا مساعدة التحول في دول الشرق وألا تفكر في مد يد العون لدول الجنوب أكثر من ذلك، يقول خبراء كثيرون أن أميركا لن تحل مشكلة ديون العالم الثالث لأن خدمات هذه الديون هي من الموارد المهمة بالنسبة إليها وأحد الأقنية التي يجري، عبرها، امتصاص ثروات البلدان المتخلفة بحيث تستمر حركة رؤوس الأموال من الجنوب إلى الشمال أقوى مما هي عليه من الشمال إلى الجنوب.
ان الاستفادة من الهيمنة على النظام العالمي الجديد، من وجهة نظر واشنطن، هي ضبط العالم الثالث بحيث يبقى مصدراً للمواد الأولية، ومنعه من التحكم بحجمها وأسعارها، والإبقاء على الخلل الفادح بين طرفي المعادلة في التجارة الدولية: مواد خام رخيصة، ومواد مصنعة غالية.
***
هذا هو "عقب أخيل" الذي أصابته أزمة الخليج. أميركا مسعورة لأنها موجوعة. ولقد ذكر رئيس تحرير مجلة "لو نوفيل أوبسرفاتور" الفرنسية جان دانيال نصف الحقيقة عندما قال أن أزمة الخليج لم تصب الغربيين في قلبهم، لأنهم لا يشفقون على الكويتيين، بل أصابتهم في رئتهم لأنها قد تهددهم بالاختناق. كان الحري به أن يقول أنها أصابتهم في... جيبهم ولذلك حصل هذا الاستنفار الذي نعاينه.
لقد "بشرت" مجلة "يو. أس نيوز أند وورلد ريبورت" العالم بأنه "متجه نحو ازدهار اقتصادي كبير" وتناست أن مليار إنسان يعيشون بدولار واحد يومياً وأن بين هؤلاء الملايين من العرب (دخل الفرد الموريتاني أو السوداني هو واحد من مئة من دخل مواطن في الكويت أو الإمارات!).
تمثل أزمة الخليج تهديداً يبدد وعد الازدهار هذا. وقد حصلت في وقت تطرح الولايات المتحدة على نفسها أسئلة اقتصادية حرجة عنوانها الرئيسي. هل نسير نحو فترة ركود مديدة؟ لقد ارتفعت البطالة، حسب تقارير الشهر الأخير، إلى 5،5 في المئة وصاحبها التضخم الذي وصل إلى 5 في المئة. ولم يكن ناقصاً سوى ارتفاع أسعار النفط حتى تكتمل معالم الأزمة.
عندما بدأ انهيار سعر النفط من أواسط الثمانينات ووصل حدود عشرة دولارات للبرميل الواحد بدأت الولايات المتحدة تقلل إنتاجها وتزيد استيرادها. كانت تستورد 39 في المئة عام 73 ثم 45 في المئة عام 79 وهي تستورد، اليوم، حوالي 52 في المئة. ويمثل البترول 42 في المئة من إجمالي استخدام الطاقة في أميركا و45 في المئة من العجز في الميزان التجاري (على قاعدة سعر 18 دولاراً للبرميل). وكل زيادة 10 في المئة في سعر النفط تتحول مباشرة إلى واحد في المئة في نسبة التضخم مما يعني أنه إذا استقر السعر على 30 دولاراً فإن التضخم يرتفع بنسبة 8 في المئة وتزداد البطالة من 5,5 إلى 7,5 في المئة. وعندما يرتفع التضخم يصبح واجباً الحفاظ على معدلات عالية للفائدة. وعندما تكون الفائدة عالية يقل التسليف والاستثمار والتوظيف وهذا يقود، بدوره، إلى زيادة البطالة. انها الحلقة المفزعة التي يسميها الاقتصاديون: الركود.
وبالطبع ليس الآن وقت الركود من وجهة نظر جورج بوش القادم نحو انتخابات تشريعية في تشرين الثاني (نوفمبر) والذي يعرف، جيداً، معنى المزاحمة مع اليابان وألمانيا.
وما يعرفه بوش أيضاً هو أن الوضع الدولي تغير عما كان عليه أيام الصدمتين النفطيتين في 73 و79. فهذه المرة يضر ارتفاع الأسعار بالولايات المتحدة أكثر مما يضر باليابان وأوروبا. فالأميركي يستهلك نفطاً مرتين ونصف زيادة عن الأوروبي. وحصة النفط في سلعة منتجة سعرها دولار واحد هي، في أميركا، أكثر منها بمرة نصف مما هي في بريطانيا، مثلاً، وبثلاث مرات مما هي في اليابان. وسر هذا التحول أن البلدان الأخرى اتبعت سياسات طاقة، كان الرئيس الأميركي السابق رونالد ريغان، ونائبه جورج بوش، يرفضان اتباعها تخفيفاً للاعتماد على البترول كمصدر أساسي للطاقة. لقد كان البترول رخيصاً إلى حد لا يغري بالانفاق على تطوير المصادر البديلة. وربما آن الأوان لدفع الثمن.
لنعد الآن إلى أزمة الخليج. لقد طالب العراق برفع سعر النفط إلى 25 دولاراً للبرميل (سعره اليوم أعلى!) فلم يتجاوب معه الكثيرون. ثم دخل العراق إلى الكويت فأصبح مشرفاً بصورة مباشرة على مخزون نفطي يقدر بـ 195 مليار برميل مقابل 34 مليار برميل فقط للولايات المتحدة. فردت الولايات المتحدة بدخول السعودية حيث يبلغ المخزون النفطي 255 مليار برميل وفي رأيها أنها لو لم تفعل ذلك لكان العراق أصبح يملك كلمة مؤثرة على ثلثي الاحتياطي العالمي المعروف حتى اللحظة، وأن هذه الكلمة ستكون باتجاه تسعير عقلاني للنفط يتجاوب مع مصالح أصحابه أولاً، وأن هذا معناه مفاقمة الأزمة الاقتصادية في أميركا.
وعندما سئل بوش عن الخيارات التي يملكها ضد العراق أجاب سائله: "انتظر، راقب، وتعلم". كان، عندها، خارجاً من اجتماع مع مدير المخابرات المركزية وليم وبستر وغيره من أركان الإدارة (اجتماع اتخاذ القرار بالتدخل العسكري). وتقول الصحف الأميركية أن وبستر قدم تقريراً مفاده أن العراق يمثل تهديداً بعيد المدى للمصالح الأميركية الاقتصادية خاصة إذا سيطر على الانتاج والأسعار ضمن "أوبيك". تضيف هذه الصحف أن القرار الاجماعي كان "اعتبار المواجهة مع صدام حسين مصلحة وطنية أميركية". وهذا ما حصل فعلاً.
***
ما توصلت إليه الإدارة الأميركية من اعتبار أن المواجهة "مصلحة وطنية" هو بالضبط ما قاله الرئيس المصري حسني مبارك في افتتاح القمة الطارئة في القاهرة. لقد "حذر" من تدخل خارجي لا قول لنا فيه ولا سيطرة لنا عليه ولا يمكن أن يكون المحرك إليه هو الحفاظ على كيان العرب وحقوقهم بل أنه سوف يسترشد بالضرورة أهداف القوى التي تضطلع به وتسانده..." قال هذا وقاد عدداً من الدول العربية إلى تأييد التدخل الأميركي والمشاركة العسكرية معه. "وتشاء الصدف" أن يتزامن مع النزول الأميركي في الخليج اعلان إسرائيل عن قيامها بتجربة ناجحة لصاروخ "آرو" المضاد للصواريخ الذي تطوره إسرائيل بأموال أميركية في إطارالتعاون الاستراتيجي بين الدولتين. ولتطوير هذا الصاروخ صلة مباشرة بالحملة التي شنتها الولايات المتحدة على الأسلحة غير التقليدية التي يملكها العراق، وعلى نجاح السعودية في الحصول على عدد محدود من الصواريخ متوسطة المدى الصينية.
هذه هي الحالة المثلى التي تطمح إليها الولايات المتحدة الأميركية: تغليب مصلحتها الوطنية تحت ذريعة تقديم الحماية لبعض العرب وتعزيز التحالف مع إسرائيل.
يقود هذا مباشرة إلى السبب الآخر "المسؤول" عن السعار الأميركي: الالتزام بأمن إسرائيل.
صحيح أن الخطوات العراقية تصيب الولايات المتحدة في نقاط حساسة، وصحيح أيضاً أن الوضع الدولي يغري واشنطن بالعدوان، ولكن الأصح من هذا كله أن القرار الأميركي بالمواجهة مع بغداد متخذ... ومنذ فترة طويلة. نحن، مرة أخرى أمام حالة شبيهة بحالة 1967: تصميم على إزاحة جمال عبد الناصر وضرب الجيش المصري والبحث عن ذريعة لذلك.
ان العراق، في العمق، هو في موقع دفاعي. وما قام به لا يعدو كونه هجوماً وقائياً. أما التصميم على شطبه فسابق وهو يتجاوز كثيراً ما هو منسوب إلى الرئيس بوش من أنه أمر المخابرات الأميركية بزعزعة استقرار النظام في بغداد. الرغبة الأميركية الفعلية هي إنهاء "الحالة العراقية" والخلاص من جيش عربي قوي ومختبر يحقق قدراً من التوازن مع إسرائيل ويمكن أن يفرض عليها الاستجابة لدعوة السلام العربية وبشروط وطنية شبه عادلة. وحتى لو كان إنهاء "الحالة العراقية" يعني تفكيك الدولة بعد ضرب الجيش وإدخال المشرق العربي كله في متاهة لا نهاية لها فإن الولايات المتحدة (ومعها إسرائيل) لن تتردد إطلاقاً خاصة وأنها وجدت من يؤمن لها التغطية لـ "ملء الفراغ" في الخليج.
***
اذا كان يمكن إضافة سبب آخر لردة الفعل الأميركية العنيفة فهو أن الفرق كبير، وكبير جداً، بين ما كان مرسوماً للمنطقة العربية ومتوقعاً منها وبين الانعطاف الحاد الذي دخلت فيه ودور القاطرة الذي يمكن أن تلعبه حيال شعوب وبلدان العالم الثالث.
لقد كان مطروحاً على العرب التعايش مع وضعهم الكارثي أو، في أحسن الأحوال، الانحياز إلى بدائل تطرح كل شيء سوى القضايا الحقيقية للأمة، بدائل تدفع الشعوب العربية إلى الخروج من الباب الخلفي للتاريخ متوهمة أنها تدخله، بدائل تقبع في الفناء الخارجي للدار التي يتم فيها نهب الأرض والثروة والكرامة.
ولكن ما حصل هو نوع من تمرد يريد لنفسه أن يكون منطلق حركة نهوض تفتح الباب أمام الاستقلال والتقدم والوحدة والديمقراطية ويراد له أن يكون الحشرجة الأخيرة لأمة طال احتضارها ولم تعد تعرف كيف تموت.
ان نظرة سريعة إلى الشعارات التي يرفعها المتظاهرون وإلى هذه الحيوية التي دبت في الشارع العربي ترينا أننا أمام برنامج سياسي متكامل وأمام قوى عرفت بحسها السليم أن تنحاز إليه طارحة البرامج الأخرى أرضاً. وفي هذا ما يسبب قلقاً كبيراً للولايات المتحدة ويمنعها من الاستمرار في "استغباء" العرب، وتغطية غاية تحالفها مع إسرائيل بشجرة "صداقتها" لبعض العرب.
... لم يعد باقياً سوى الاعتراف بأن كل ما جرى، ويجري، من شأنه أن يثير هذا النوع من السعار. على أمل إثارة المزيد منه!
