"الشرق المعقّد" و"الأفكار البسيطة"

"يجب الذهاب إلى الشرق المعقد بأفكار بسيطة"
شارل ديغول

ليس الشرق معقّداً أكثر من غيره. لذلك لا يجوز الاقتراب منه بأفكار بسيطة أكثر من غيرها. على كل حال، حذار الذهاب إليه بأفكار بسيطة، أو من دون أفكار بالمرّة، أو بفكرة وحيدة ثابتة.
الرئيس الأميركي جورج بوش هو من الصنف الأخير، توجّه شرقاً وفي جعبته لأزمة واحدة: الحرب. ينكشف مدى الإدقاع في هذا الزاد متى تذكّرنا أنه فعل ذلك بعد أن حضر مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي في فرنسا، وهو واحد من أكثر اللقاءات الدولية تعقيداً وتشابكاً. لقد لاحظ المؤتمرون في باريس، ببساطة، أن "الحرب الباردة" انتهت. احتفلوا بذلك. تذكّروا أن أوروبا عاشت منذ 1945 أهدأ فترة في تاريخها الطويل، وأنها مدعوّة إلى نزع التوتر الذي اخترق هذه المرحلة. من السلم الحذر إلى السلم فقط.
باريس هي الوجه الآخر لهلسنكي. فمنذ خمسة عشر عاماً جرى التوقيع على اتفاقات بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة وكندا. وأقرّ الجميع بالحدود بين الألمانيتين وغيرها ممّا نتج عن الحرب العالمية الثانية. كان الاتحاد السوفياتي، يومها، قوياً، في الشكل على الأقل. وقد ازداد "قوة" بين 1975 و1980 بحكم التطورات في العالم الثالث (فيتنام، كمبوديا، نيكاراغوا، أثيوبيا، أنغولا...). استند إلى "قوته" هذه ليغامر بالموافقة على قرارات تحوّلت بسرعة إلى يافطة المعارضات في أوروبا الشرقية كلها. ولقد كان ملفتاً للنظر أن ممثلي شرق أوروبا في مؤتمر باريس هم ممّن سبق لهم أن عرفوا السجن لأنهم طالبوا بتنفيذ "الشق الثالث" من قرارات هلسنكي: حرية القول والتجمع والتنظيم والسفر، إلخ...
لقد انفجر لغم هلسنكي في داخل حلف "وارسو". انهار الحلف مع انهيار الأنظمة المنضوية تحت لوائه وأصبح الطريق معبّداً أمام "مؤتمر باريس" لتسجيل هذه الملاحظة ووضع الأسس للتنظيم الجديد لأوروبا، أو لما يسميه البعض "الهندسة الأوروبية الجديدة". لقد حصل ما حصل بين 1975 و1990 من دون طلقة رصاص واحدة بين المعسكرين ومع ذلك فقد ارتؤيَ الاستمرار في نزع الأسلحة التقليدية وغيرها توفيراً للمزيد من "الأمن" و"التعاون" أو لـ"التعاون الآمن" كما قال الرئيس ميتران.
تكفي قراءة سريعة للوثائق التي وقع عليها المؤتمرون لاكتشاف مدى التعقيد في مؤتمر من هذا النوع. تتحدث هذه الوثائق عن افتتاح عصر جديد من الديمقراطية والسلم والوحدة بعد انتهاء عصر المواجهة والانقسام وتدعو إلى علاقات مؤسسة على الاحترام والتعاون بين دول أوروبا وشعوبها. يعلن البيان الختامي الالتزام الذي لا تراجع عنه بالديمقراطية المستندة إلى حقوق الإنسان والحريات الأساسية، والازدهار عبر الحرية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والأمن المتساوي للجميع. يضيف أن الديمقراطية نظام وحيد لا بديل له وأنه يكفل احترام الأقليات الإثنية والثقافية والدينية والقومية. وهو، إذ يدعو إلى اتّباع سلوك مسؤول حيال البيئة، يرفض استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات بين الدول وينشئ، لهذه الغاية، هيئة وقاية من الأزمات.
وبما أن المجتمعين اتفقوا على خفض كبير في القوات والأسلحة التقليدية فإنهم أعلنوا ولادة مفهوم جديد للأمن الأوروبي يتضمن الموافقة على وحدة ألمانيا ويقر اتفاقاتها مع كل من الاتحاد السوفياتي وبولونيا. إلى ذلك دعا المؤتمرون إلى لقاءات لاحقة، للبحث في توحيد الشرائع وتنظيم العلاقة مع الأقليات وتطوير التعاون الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي والثقافي، وإلى حماية حقوق العمال المهاجرين. وعند الحديث عن العلاقة مع الدول الأخرى أعلن عن الرغبة في "مواصلة الجهود لتدعيم الأمن والتعاون في الدول المطلة على المتوسط باعتبار ذلك جزءاً مهمّاً من استقرار أوروبا". كما جرى الإعراب عن "القلق من التوترات" في هذه الدول وعن ضرورة السعي لإيجاد حلول "عادلة ودائمة" وإزالة "الفوارق المهمة في مجال الرفاهية بين أوروبا وجيرانها المتوسطيين".
ليس التعقيد كامناً في هذه القرارات فحسب. فلقد تقرر في المؤتمر، وعلى هامشه، زيادة الدعم الاقتصادي للاتحاد السوفياتي ومساعدته على "حسم انتمائه الأوروبي". وتقديم عون سريع وفعال لدول شرق أوروبا من أجل تجاوز حالة "تفاوت النمو" في القارة وتحسّباً لاحتمال تدفق هجرة كثيفة منها نحو أسواق العمل. كما كان المؤتمر إطاراً لضبط العلاقة بين القارتين "القديمة" و"الجديدة" من أجل إبقاء الولايات المتحدة معنيّة بما يجري على الضفة الأخرى من الأطلسي. وليس من باب المبالغة القول إن النجاح الفعلي لهذا المؤتمر لعب دوراً في "تشجيع" مارغريت تاتشر على الاستقالة. فلقد كان مطلوباً، وبإلحاح، ذهاب العقبة التي تمنع الإسراع في توحيد أوروبا الغربية حتى يصبح في وسعها أن تلعب دور القاطرة حيال الشطر الثاني من القارة.
نحن هنا، أمام نموذج ساطع يؤكد أن "الأمن" يتجاوز مجرد القدرات العسكرية، وكم أنه يرتكز على منظومة مركّبة تتداخل فيها الأسلحة، بالأوضاع الداخلية، بالديمقراطية، بتفاوت النمو، بمشاكل الهجرة، بأوضاع الأقليات، بالتبادل الاقتصادي والثقافي، إلخ...
***
ليس سراً أن "أزمة الخليج" كانت حاضرة، وبقوة، على هامش "مؤتمر باريس". لا بل في صلبه. ولقد ظهر ذلك واضحاً في المؤتمر الصحافي الذي عقده الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران لإعلان النتائج التي جرى التوصل إليها والتعليق عليها. بعد سؤالين عن السلم الأوروبي كرّت الأسئلة عن الحرب المحتملة في الخليج. وعبثاً حاول ميتران الفصل بين الأمرين بالدعوة إلى تقسيم آخر للتساؤلات. غير أنه وجد نفسه مضطراً، أمام الضغط ليقدّم قراءة لهذا السلام الأوروبي محاولاً تبرئته من كونه التمهيد الضروري لحروب أخرى تخوضها القارة، وراء الولايات المتحدة، ضد أعداء جدد. كان ميتران مقنعاً إلى حد ما في رفضه تصوير مؤتمر باريس، وكأنه نوع من المؤتمرات السابقة (فيينا، فرساي...) التي كانت أوروبا تلتقي فيها لإعادة تقسيم المستعمرات أو لتنظيم وراثة واحدة من الإمبراطوريات المنهارة. ولكن هذه المحاولة لم تمنع الكثيرين من التركيز على "الشبهة" في هذا التجاور المريب لخطابي "السلم الأوروبي" و"حرب الخليج".
حضر الرئيس الأميركي جورج بوش "مؤتمر باريس"، وكان واضحاً كم أن بلاده معنيّة تماماً بما يجري ومشاركة في التحضير له، وتحمّل نتائجه. ولكن المراقبين سجلوا أنه كان ينتهز كل فرصة ليغادر القاعة من أجل لقاءات سريعة مع رؤساء آخرين. كما أنه عقد اجتماعات عديدة مع الوفود المشاركة وأدلى بعدد من التصريحات. وكان سبق له أن زار تشيكوسلوفاكيا وألمانيا قبل وصوله إلى فرنسا. في هذه النشاطات كلها لم يعرف عن الرئيس بوش إلاّ أنه حاول تأمين الإجماع لقرار جديد يصدر عن مجلس الأمن يسمح باستخدام القوة ضد العراق. وحيث كان الوقت لا يتّسع للرئيس بوش كان وزير خارجيته جيمس بيكر يلتقي، عشية مؤتمر باريس وفي أثنائه وبعده، الدول الممثلة في مجلس الأمن من أجل انتزاع موافقتها على قرار تشريع الحرب ضد العراق.
وما إن انتهى المؤتمر الباريسي حتى توجّه الرئيس الأميركي في جولة إلى المملكة العربية السعودية (لمقابلة المسؤولين الكويتيين والسعوديين) ومصر (للقاء الرئيس حسني مبارك) وسويسرا (للاجتماع إلى الرئيس السوري حافظ الأسد). وقد أتيح للرئيس الأميركي في هذه الرحلات السريعة أن يلقي عدداً كبيراً من الخطابات والتصريحات الصحافية وأن يصدر أكثر من بيان مشترك مع مضيفيه ومحاوريه... وفي هذه النشاطات كلها لم ترد كلمات أخرى إلاّ التهديدات الموجهة ضد العراق ودعوته إلى الانسحاب الفوري من الكويت وتهديده بدفع الثمن ومطالبته بالإطلاق الفوري للرهائن ورفض تهديد الاقتصاد العالمي واستقرار المنطقة... بكلام آخر لم يكن في جعبة الرئيس بوش، الذاهب إلى الشرق، سوى هذا التبسيط القائل بأن الدخول العراقي إلى الكويت هو سبب المآسي كلها وبأن لا مجال لحل آخر غير الانسحاب غير المشروط ومن دون أي ثمن!
كان يمكن للمرء أن يتوقع من رئيس دولة عظمى، معنية أكثر من غيرها بشؤون العالم، أن يكون استفاد من "مؤتمر الأمن والتعاون" من أجل إدخال قدر، ولو بسيط، من التعقيد المطلوب لمواجهة منطقة "معقدة" مثل الشرق الأوسط، ولكن هذا لم يحصل.
يمكن للاستقرار الأوروبي أن يتأسس على منظومة معقدة من نوع التي أشرنا إليها. أما استقرار الشرق الأوسط فيكفيه انسحاب العراق من الكويت حتى يصبح مؤمّناً ومحمياً. أما قضايا من نوع المشكلة الفلسطينية، والأزمة اللبنانية، وتفاوت النمو، وتسعير المواد الأوليّة، والتوزيع العقلاني للثروة، والتنمية، والانفجار الديموغرافي، والهجرة الداخلية، وقضايا العمالة، إلخ... فهذه كلها ليست في حساب الرئيس الأميركي. يفهم جيداً أن تكون مطروحة في أوروبا وأن يتم السعي إلى حلها، ولكنه يرفض أن يراها في الشرق الأوسط، وأن يعتبرها مصدراً من مصادر عدم الاستقرار، وأن يدعو إلى إيجاد الحلول لها.
كان يمكن لهذا "التبسيط" أن يمر من دون آثار خطيرة لولا أن الرئيس الأميركي لا يزال يعتمده أسلوباً وهو في طور التحضير لحرب مدمرة قد تندلع في غضون أيام! لنتذكر أن الرئيس بوش أمضى وقته في أوروبا يقرع طبول الحرب وأنه جاء إلى المنطقة العربية من أجل زيارة جنوده الذين سيصل عددهم، ربما، إلى نصف مليون، وأنه يضع اللمسات الأخيرة على مشروع قرار يصدره مجلس الأمن يبيح استخدام القوة العسكرية ضد العراق!
لقد كان هذا هو الوقت النموذجي لكي يقول بوش كلاماً من نوع آخر. كلاماً يخاطب العرب وهم على الحالة التي سيكونون عليها في "اليوم التالي" لانتهاء الإعصار الذي سيضرب بلدانهم وشعوبهم وربما يطيح بدول بكاملها ويغيّر خرائط ويوقع مئات آلاف القتلى... كيف يمكن لرجل مسؤول أن يشارك في بناء أمن أوروبي على دعائم لا حصر لها ثم ينتقل بعد ساعات إلى منطقة ملأى بالمشاكل والتناقضات ليعدها بحرب ضروس لا قائمة لها بعدها، على الأرجح، كيف يتأسس أمن قارة، هادئة نسبياً، على أسس متعددة ويقال لجيرانها المتوسطيين: المواجهة حاصلة بعد أيام ونحن غير معنيين إلاّ بذلك، أما أمنكم، بالمعنى العميق للكلمة، فشأن تتدبّرونه بعد تحويل المنطقة إلى خرائب!
***
قد يكون الشرق الأوسط عشية حرب ومع ذلك لا يجد الرئيس الأميركي جورج بوش ما يقوله لها غير إنها قد تكون عشية حرب! لقد قال الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران كلاماً آخر وطالب المبعوث السوفياتي يفغيني بريماكوف باستباق قرار إجازة الحرب بقرار دولي يدعو إلى حل مشاكل أخرى في المنطقة غير أزمة الخليج. لكن الجانب الأميركي لم يرد. الأدهى من ذلك هو أن هناك مسؤولين عرباً لم يردّوا أيضاً.
ثمة انقسام عربي واضح بين قوى تراهن على هزيمة العراق وأخرى على صموده. المراهنون على الصمود يقولون ما يريدون. إنهم يسعون إلى توظيف القوة العراقية لفرض تصوّر للحلول في المنطقة يرفض أن يعتبر ضم الكويت قضية تستوجب مواجهة بهذا الحجم. يطالب هذا الجانب بحل وطني للمشكلة الفلسطينية، وبتثبيت حل نهائي للبنان، وبانسحاب إسرائيل من الأرض العربية المحتلة، وبتوزيع عقلاني للثروة، وبحق الشعب الكويتي في تقرير مصيره بما لا يضر العراق إطلاقاً، باختصار، بنظام عربي قادر على التفاهم مع العالم الناشئ والدفاع عن مصالحه فيه بما لا يضر كل ما هو مشروع للآخرين.
بماذا يطالب المراهنون على هزيمة العراق. ثمة غموض كامل يلف موقفهم. أكثر من ذلك، إن وزنهم الفعلي في التحالف الذي تقوده واشنطن لا يطمئن إلى قدرتهم على طلب شيء. للولايات المتحدة أن تقرر عنهم، ولكن الولايات المتحدة تقول إنها لا تستبعد الحرب و... تصمت. هذه هي فكرتها "البسيطة" عن مشاكل "الشرق المعقّد". هل هي فكرتهم أيضاً؟ لم يقل واحد منهم كلمة واحدة عن صباح "اليوم التالي". لقد ذهبوا، هم أيضاً، إلى "الغرب المعقّد" بـ"أفكار تبسيطية". لم يصادفوا إلاّ "الشرعية الدولية" و"النظام العالمي الجديد" و"المبادئ الأ"خلاقية". كم يمكن لـ"التبسيط" أن يكون قاتلاً.

يمكن للأمن الأوروبي أن يتأسس على منظومة معقّدة من المبادئ. أما الشرق الأوسط فأمنه مرتبط فقط بإرغام العراق، بالقوة المسلحة إن اقتضى الأمر، على الانسحاب من الكويت.

12/03/1990