تمويل عربي للبؤس العربي

"المجهود الحربي" الأميركي

يتصرف جورج بوش وكأنه رئيس حكومة عالمية يراعي عدداً من التوازنات ويأخذ في عين الاعتبار مواقف الحلفاء القدم والجدد ولكنه لا يعتبرها أكثر من تلاوين لا تستطيع حرفه عن الوجهة التي اختطّها. هذا هو فهمه لـ"الدور القيادي للولايات المتحدة في عصر ما بعد انتهاء الحرب الباردة". وقد كلف وزير خارجية جيمس بيكر أن يشرح ذلك لممثلي الشعب الأميركي في معرض مطالبتهم بتحمل مسؤولياتهم المستجدة. كل قرار يتخذونه هو قرار يمس "النظام الدولي" برمته. الآخرون، كل الآخرين لا يملكون حق التدخل في صياغة السياسات الكبرى طالما أنهم تنازلوا عمّا هو أقل من ذلك، حقهم في النقض.
وبما أن الإدارة الأميركية تملك القدرة العسكرية لتنفيذ ارادتها، وتملك فوقها التغيطة السياسية و"الأخلاقية". لم يعد باقياً سوى توفير الأموال اللازمة لذلك وهي أموال يصعب للميزانية الأميركية العاجزة تحمل أعبائها.
لقد انفردت واشنطن في تقدير الكلفة المترتبة عن أزمة الخليج سواء لجهة تكاليف الانتشار العسكري الأميركي أم لجهة التعويضات المطلوب دفعها لعدد من الدول المتضررة، وانفردت، فوق ذلك، بتحديد المبلغ الواجب دفعه على كل دولة والمبلغ الممكن تخصيصه لكل متضرر. وتحوّل وزير الخارجية جيمس بيكر ووزير المالية نيكولاس برادي إلى "جابيين" يزوران العواصم فيأخذان من كل واحدة حسب "طاقتها" ويعطيان كل واحدة حسب "حاجتها"، علماً بأن "الطاقة" و"الحاجة" استنساب أميركي صرف.
المفارقات الناجمة عن هذا السلوك عديدة نكتفي بالإشارة هنا إلى أكثرها بروزاً:
سوف تحصل الولايات المتحدة على مليارات عديدة من الدولارات من حكومات عربية تعويضاً عن مجهودها الحربي. وقد فوجئ وزير الخارجية جيمس بيكر بـ"مبلغ" التجاوب معه في عواصم عربية زارها والتقى المسؤولين فيها. حتى أن بعض هؤلاء استغرب "التقتير" الأميركي وأظهر "سخاءً عربياً" فاق التقديرات ودفع أحد الصحافيين الأميركيين المطّلعين، توماس فريدمان، إلى القول في "نيويورك تايمز" "أن الأموال العربية معطوفة على ما قد يجنيه نيكولاس برادي في أوروبا لا تغطي كلفة التدخل الأميركي في الخليج فحسب بل يمكنها أن توفر ربحاً للخزينة الأميركية". مصدر هذا السخاء هو أن حكاماً عرباً يعتبرون أن الولايات المتحدة تحميهم وقد تدفع "ضريبة الدم" عنهم ولذلك فمن واجبهم نصرتها بما تملك أيديهم. حسناً، ولكن هذه هي المفارقة الأولى، ألا يمكن إعطاء هذه المعادلة "المال مقابل ضريبة الدم"، أي مفعول رجعي؟! ألم يكن طلب العراق إعفاءه من الديون، لأنه دفع "ضريبة الدم" أحد عناوين الخلاف الذي قادت تطوراته إلى الحالة التي نعيشها اليوم؟ لقد سبق للعراق أن دافع عن هذه الدول، ودفع غالياً ثمن موقفه هذا، ولما نجح في حمايتها. طالب بإسقاط "الديون" التي ترتبت عليه حيالها ولكنها رفضت مجرد البحث في الأمر. لقد جرى تسجيل كل قرش دفع إلى العراق خلال سنوات الحرب بصفته ديناً، فما الذي تغيّر حتى برز هذا الكرم الحاتمي في تقديم الهبات للجيش الأميركي؟ وإذا كان مؤكداً أن العراقيين سقطوا بالآلاف دفاعاً عن أنفسهم وعن أشقائهم فإنه من المؤكد، اليوم، أن الجنود الأميركيين إنما يدافعون عن مصالح الولايات المتحدة ـ وهذا طبيعي ـ فأين المنطق في احتساب الدعم للعراق ديناً يتوجّب رده، وفي اعتبار المليارات المدفوعة لواشنطن ثمناً طبيعياً يدفع نقداً هذه المرة وطالما استمر الوجود الأميركي في المنطقة... وهو مستمر!
لقد حصل جيمس بيكر بعد ساعات قضاها في اجتماعات ثنائية مع مسؤولين عرب على مليارات عديدة من الدولارات ولكن الإدارة الأميركية عندما قررت، بعد مخاض عسير، إعفاء مصر من ديونها العسكرية البالغة سبعة مليارات دولار، أحالت الملف على الكونغرس وهي تنتظر رأيه فيه. هذه هي المفارقة الثانية التي تثير بدروها مفارقات فرعية عديدة.
لقد اعتبرت الإدارة الأميركية أن "إلغاء الديون العسكرية ثمن قليل تدفعه الولايات المتحدة لمصر في مقابل التعاون والدور القيادي لمصر" في أزمة الخليج. هذا طبيعي، وهو يتقاطع مع ما أشرنا إليه من ثمن يفترض بالأغنى دفعه إلى الأفقر بدلاً للتعاون. وهي حجة توفر للعراق مصداقية متأخرة في النزاع الذي سبق الدخول العسكري إلى الكويت. ولقد كان هذا التسامح الأميركي مع مصر مناسبة اكتشفنا فيها أن القاهرة تطالب، منذ سنوات، بإلغاء هذه الديون لأن مجموع ما تدفعه سداداً لخدماتها يوازي، تقريباً، مجمل المساعدات العسكرية الأميركية لمصر. أي أن الولايات المتحدة أمضت سنوات وهي تدفع لنفسها من نفسها فوائد ديونها على مصر وهي فوائد مرتفعة جداً لا بل قياسية.
ومع ذلك فإن الكونغرس سوف يناقش الموضوع وقد سبق له أن ناقش الكلفة المادية للحملة الأميركية وحث الإدارة على فرض "الخوّة" على الآخرين. أي أن الجواب لمصر معلّق على نتيجة النقاش في واشنطن والاقتراع الديمقراطي الذي يفترض أن يليه. ما من شك في أن الأميركيين يحترمون ديمقراطيتهم إلى أبعد حد ولكن ذلك لم يمنعهم من الحصول على مليارات عربية كثيرة عبر لقاءات ثنائية لا أثر فيها لا لبرلمان ولا لنقاش ولا لتصويت. يحترمون ديمقراطيتهم ولكن ذلك لم يمنعهم من التعاطي مع عدد محدود جداً من مسؤولينا بصفتهم يملكون بمفردهم، حق الحل والربط في ثروات هائلة هي، في الحقيقة، ملك شعوبهم والشعوب العربية كلها. لم يخضع القرار العربي بتمويل الحملة الأميركية إلى أية رقابة شعبية. هذه هي الديمقراطية التي يدعي الأميركيون الدفاع عنها في وجه "ديكتاتور" يتفرّد بقراراته: كونغرس يناقش ويقترع عندهم وحاكم يقرر، بمفرده، عندنا! (سبق لنا اختبار هذه الحالة في فضيحة "أيران ـ غيت" الشهيرة. تهرّب الحاكم الأميركي من تعقيدات الديمقراطية عنده وقدّم الدعم للكونتراس في نيكاراغوا من المال السائب عندنا).
عندما يلتقي جيمس بيكر بزميله نيكولاي برادي سوف يبدو أن الأول نجح في جولته العربية في حين لم يحقق الثاني نجاحاً ملحوظاً في جولته الأوروبية. فلقد رفضت دول السوق المشتركة أن تدفع جزءاً من تكاليف الحملة الأميركية. هذه هي المفارقة الثالثة.
لا يعني الرفض الأوروبي أن الغرب منقسم. لا يعني أكثر أن أوروبا تريد إدخال مصالحها كعنصر في رسم سياستها ودعم الولايات المتحدة من دون التطابق الكامل معها. ولذلك فإنها تنظر بريبة إلى الأموال العربية المدفوعة لواشنطن وترى فيها دعماً يحرر الولايات المتحدة من إمكانية أن تلقى أي ضغط يرغمها على احترام ما يسمى، اليوم "الإجماع الدولي".
والمعنى العميق لهذا الموقف الأوروبي هو الرغبة في عقد صلة مباشرة مع الدول المتضررة من الأزمة والإبقاء على حيّز مستقل لما يطلق عليه الفرنسيون "السياسة العربية". وثمة شعور ضمني لدى عدد من المسؤولين الأوروبيين بأن الولايات المتحدة تقوم بعملية التفاف "ضدهم". فمع انتهاء الحرب الباردة، وانتفاء التهديد السوفياتي، وبدء عصر المنافسة الاقتصادية، واحتمالات الانسحاب الأميركي من القارة وتخفيض الأسلحة فيها، لم تعد واشنطن تملك أوراق ضغط كافية على حلفائها. ولذلك فإن قدومها إلى منابع النفط يضع بين أيديها ورقة يمكنها استخدامها في وجه الاستقلال الأوروبي والمنافسة الاقتصادية اليابانية. ولذلك فإن عواصم "القارة القديمة" لم تنظر بعين الرضى إلى الحديث الأميركي عن "حلف أمني إقليمي" في الشرق الأوسط يجمع عدداً من دوله إلى الولايات المتحدة ويؤمّن لهذه الأخيرة إقامة مديدة في هذه المنطقة الحساسة، وهي إقامة تضعها في موقع المتحكّم بأحد أهم مصادر الطاقة العالمية.
لهذه الاعتبارات، ولغيرها، لم يكن في وسع أوروبا إلا أن تواكب الولايات المتحدة وأن تحاول، قدر الإمكان، التمايز عنها. ولكن هذه العلاقة المعقدة لم تمنع أوروبا نفسها من حق إعطاء التوجيهات للحكومات العربية حول المبالغ الواجب دفعها والدول المطلوب مساعدتها. ولقد كان ملفتاً للنظر أن أوروبا انفردت بتقدير حاجات الدول المحتاجة وقررت صرف ملياري دولار لها أي ما يوازي 15 في المئة من خسارتها وطالبت حكومات عربية بدفع الـ65 في المئة الباقية على أن تتكفل اليابان وكوريا الجنوبية بالباقي. هنا أيضاً يتم إصدار "الأوامر". وهنا أيضاً نكتشف أن حكومات عربية مطالبة بدفع أموال لو دفعتها، باختيارها، إلى العراق والدول العربية الأخرى المحتاجة، لكان ممكناً تجنّب الأزمة من أساسها.

***
هذه التمايزات في المواقف والسياسات لا تمنع الكثيرين من الحديث عن الدور الجديد للأمم المتحدة ومجلس الأمن بلغة احتفالية هي أقرب ما يكون إلى التهريج. يقولون إن المنظمة الدولية "استعادت" دورها (متى كان لها دور فعلي؟) وأن أحداً لن يجرؤ، بعد الآن، على مخالفة قراراتها والامتناع عن تطبيقها لأنه سيكون معرّضاً إلى مواجهة مع العالم كله. يقولون أيضاً إن الحشود الأجنبية في الخليج وحوله هي الذراع التنفيذية الضاربة لـ"الإرادة الدولية" وهي كناية عن جيش عالمي يفرض احترام "القانون الدولي" المنزّه عن أي غرض فئوي أو عن أية مصلحة منفردة. ويريدون لنا أن نقتنع بالأكذوبة القائلة بأن الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن هي كناية عن "محكمة لاهاي" جديدة مؤلفة من قضاة يحكمون بالحق ويوكلون أمر تطبيقه إلى قوات هي مجرد أداة تنفيذية للحكم العادل الناشئ بعد زوال المواجهة بين المعسكرين (زالت المواجهة بزوال أحد المعسكرين ليس إلاّ!).
ويتولى الاتحاد السوفياتي، لأنه الجانب الضعيف في المعادلة الدولية الحالية، آمر الترويج لهذه الأكذوبة بالحماس نفسه الذي ميّز دعاوته في "العصر السابق". ويقدم وزير الخارجية السوفياتي إدوارد شيفاردنادزه تغطية لهذه الحملة بتطوير عبارته الشهيرة عن أن السياسة اليوم يجب أن تكون تعبيراً عن "توازن المصالح لا توازن القوى". ويكتب زملاؤنا السوفيات مطوّلات عن "الأخلاق" و"العالم المتمدّن" و"الرأي العام الدولي" و"الموقف الإنساني" و"الحضارة الإنسانية" بشكل لا يبدو معه أنهم يقرأون كلام زملائهم وزملائنا الأميركيين عن "مصالح الغرب" و"أهمية مصادر الطاقة" و"ضبط أسعار البترول" و"أمن إسرائيل" و"حق الولايات المتحدة في توجيه العالم"...
وعندما يختلف، في اليوم نفسه، الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران ورئيسة وزراء بريطانيا مارغريت تاتشر في تفسير قرارات مجلس الأمن لا يتوقف أحد عند الأمر.
يقول الأول إن القرارات لا تعطي أحداً حق استخدام القوة بشن حملة عسكرية على العراق. وتقول الثانية العكس تماماً، فلا يكلّف أحد نفسه عناء التقليل من حماسه الابتهاجي بمجلس الأمن ودوره الجديد. يتحوّل الخلاف إلى مجرد اجتهادات لا تأثير لها، إلى مطالعات قانونية لا علاقة لها بالمصالح المتباينة بين الدولتين بتقدير كل من ميتران وتاتشر لدور بلده وعلاقته بالولايات المتحدة الأميركية و"سياسته العربية" وتصوّره للحل النهائي لأزمة الخليج.
يراد لهذا الاحتفال بالأمم المتحدة أن يخفي عالم السياسة والمصالح، وهو بالضرورة عالم متناقض أو متمايز وراء حجاب أخلاقي يوحي بذوبان العالم كله في بوتقة "المصالح الإنسانية الجامعة". هذه المصالح موجودة ولكن ضمن مفاهيم متعارضة وأكثر الناس تبشيراً بها ربما كانوا الأقل إيماناً بها. ولكن هذا التبشير هو سلاحهم الجديد ضد أية قوة تريد أن تحقق مصالحها وتقرن هذه الرغبة بالقوة التي تملكها.
يقال لماذا لهؤلاء المبشرين الكذبة لماذا لا تعمد إلى تطبيق قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالمنطقة من دون استثناء؟ ويجري تذكيرهم بأنه قبل أسابيع فقط وضعت الولايات المتحدة الفيتو على قرار لمجلس الأمن (كان سبق لها أن اقترحته بنفسها) ينص على إرسال ثلاثة مراقبين فقط إلى الأراضي العربية المحتلة لرفع تقرير عن الممارسات القمعية الإسرائيلية. ثم عاد مجلس الأمن إيّاه، إلى إعطاء الحق لدول بإرسال مئات آلاف الجنود لتطبيق أحد قراراته (وليس مجرد رفع تقرير) معطياً إيّاهم حق استخدام القوة في سبيل ذلك. فهل إن طبيعة "مجلس" الأمن هي التي تغيّرت في أسابيع أم أن الموضوع هو الذي تغيّر؟ يرد أحد المبشرين الكذبة بأنه لا يجوز لأخطاء الماضي أن تبرر أخطاء الحاضر. وبأن تنفيذ قرار مجلس الأمن الأخير يقود إلى تنفيذ القرار ما قبل الأخير، وهكذا دواليك. ويأتي الرد عليه: حسناً فلنوفّر آلية ربط تنفيذ القرار الأخير وتنفيذ القرارات السابقة. فيجيب، مغتاظاً، لا بحث بأي موضوع قبل طي الملف الحالي وتنفيذ الإرادة الدولية. ولا يخجل الناطق باسم الخارجية السوفياتية غينادي غيراسيموف من القول بأن ربط أزمة الخليج بأزمة الشرق الأوسط يهدد بعدم حل الأولى إلى الأبد. أي أنه يبشّرنا عن غير قصد، وبما أنه حديث النعمة بالصراحة والغلاسنوست، بأن الثانية لن تعرف أي حل من الآن وإلى... الأبد. أي أن "أخطاء" الماضي ستبقى أخطاء وأن قرارات مجلس الأمن نوعان: نوع تريد الولايات المتحدة تطبيقه وهو قابل للتطبيق ونوع لا تريد تطبيقه وهذا معلّق إلى ما شاء الله!
لم تكد تمر أيام على إعلان الاتحاد السوفياتي رغبته في عقد مؤتمر دولي لحل أزمات الشرق الأوسط (وهي رغبة لم يدافع عنها غورباتشوف بالحماس المطلوب في قمة هلسنكي)، وعلى الاستقبال المتحفظ للفكرة في باريس، حتى كان وزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر يستقبل، عشية رحلة "الجباية" العربية، زميله الإسرائيلي ديفيد ليفي. لم يكن ممكناً لأزمة الشرق الأوسط أن تغيب عن اللقاء. وتقول الأنباء إن الجانب الأميركي طالب حليفه الإسرائيلي بإيجاد صيغة ما لتحريك "مبادرة شامير" التي سبق لتل أبيب أن عطلتها. ماذا يعني ذلك؟ إنه يعني، بالدرجة الأولى، أن الولايات المتحدة لا تكنّ، فعلاً، أي احترام لا لمجلس الأمن ولا للقوى التي تشكّله ولا لقراراته، وفوق ذلك أنها غير مهتمة بالدفاع عن الكذبة القائلة بأن الحل الذي تحاوله لأزمة الخليج هو نموذج الحل الذي سوف تعتمده لمواجهة الأزمات الأخرى في المنطقة.
يتألف "النموذج" الخليجي من العناصر التالية: استصدار قرار من مجلس الأمن بموجب الفصل السابع الذي ينص على فرض عقوبات على الطرف الممتنع. حشد القوى والأساطيل لفرض المقاطعة والحصار، التهديد باللجوء إلى القوة العسكرية، المغطاة دولياً، من أجل تنفيذ الشرعية الدولية.
أما الحل المقترح عبر "مبادرة شامير" أو "خطة بيكر" فيقوم على مفاوضات ثنائية لا دخل للأمم المتحدة فيها، رفض أية عقوبة على الطرف الرافض لتطبيق القرارات الدولية، دعم الطرف المعتدي وتغليب مصالحه وحقوقه الأمنية على أي شيء آخر، إبعاد كل قوة أخرى دولية أو إقليمية عن التدخل...
لا علاقة لهذا السلوك الأميركي بالكذبة الشائعة اليوم، حول عدم تبرير أخطاء الماضي بأخطاء الحاضر. العكس صحيح. تريد الولايات المتحدة تنفيذ القرارات الدولية الأخيرة لأنها تصبّ في مصلحتها وذلك حتى تنشئ ميزان قوى يعفيها من تطبيق القرارات الدولية السابقة لأنها ليست في مصلحتها ولا في مصلحة إسرائيل. وإذا كان هناك مَن يريد غض النظر عن ذلك ويلعب دور "الزوج المخدوع" فإن من حق العرب المعنيين بأزماتهم ألاّ يقعوا في الفخ وألاّ يشاركوا في مهرجان الاحتفال بالدور الجديد للأمم المتحدة ومجلس الأمن وهم الذين يملكون عدداً لا يحصى من القرارات الدولية في صالحهم، وهي قرارات لم تعرف طريقها إلى التنفيذ ولن تعرف هذه الطريق في حال نجحت الولايات المتحدة في شطب القوة العربية وحتى لو جرى هذا الشطب باسم "الشرعية الدولية".

***
"الكيل بمكيالين" هي التهمة العربية التي ترفضها الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها. ولكن التمييز بين "المجهود الحربي" العراقي و"المجهود الحربي الأميركي" وبين القرارات الأخيرة لمجلس الأمن والقرارات السابقة تؤكد هذه التهمة. يؤكدها أيضاً هذا الفرق الهائل في التعاطي مع الرعايا الغربيين في العراق والكويت والرعايا الآسيويين الموجودين في الأردن حالياً.
ينكر البعض أن أزمة الخليج هي مواجهة بين الشمال والجنوب، ولكن نظرة سريعة إلى الاهتمام بالأميركيين والأوروبيين المغادرين للعراق أو الباقين فيه، والإهمال الكامل للآسيويين والعرب في الحالة نفسها ترغم على التفكير، مليّاً، في ادّعاءات الهمّ الإنساني العام.
تتسلط الأضواء على بضعة آلاف من الرعايا الأجانب ويسقط مئات الآلاف الآخرون في النسيان. يبرز اهتمام كبير بكل أجنبي يصل الأردن مغادراً إلى بلده وتدار الأذن الصمّاء لعذابات عشرات الآلاف من العرب والآسيويين "العابرين" في الأردن والذين تطول إقامتهم فيه في ظروف لا أقسى منها. يضرب هؤلاء الجوع والعطش وتتفشى فيهم الأمراض ولا من يسأل. تخصّص مليارات من الدولارات لحشد القوى والأساطيل وتصرف ملايين قليلة لتخفيف الوطأة عن "المهاجرين الجنوبيين" المرميين في الصحراء.
والأنكى من ذلك أن دولاً آسيوية (الباكستان، بنغلادش...) وعربية (مصر..) تجد الطائرات ووسائل النقل لإيصال الآلاف من الجنود إلى ميدان المواجهة المحتملة ولكنها تضن على مواطنيها بسفن تخف إلى نقلهم ووضع حد لعذاباتهم. ولا يجد الإعلام الغربي شيئاً يقوله في هذا المجال. يتعاطى مع هذه المأساة المستمرة، والمرشحة للتصاعد، وكأنها معدومة الصلة بالتهديدات التي يطلقها ضد العراق ويدفع المنطقة إلى شفير المواجهة. تضاف صور المخيمات المحدثة في الأردن إلى صور ضحايا الجوع والجفاف والكوارث الطبيعية في العالم الثالث وتذرف الدموع على "رهائن" لم نرهم حتى اليوم إلاّ في الفنادق الضخمة. لا يعني هذا أن لا مشكلة رهائن، ولكنه يؤشر إلى استمرار "الكيل بكيلين". وبشكل يستثير كل مَن يدعو إلى حد أدنى من العدل والمساواة في طرح القضايا وسبل حلها.
ليست قيمة الإنسان واحدة بغض النظر عن جنسيته ولونه وانتمائه. وفي هذه الملاحظة الكثير من التكذيب لأطروحات "الهمّ الإنساني" المتحكّم بالقوى المتوجّهة إلى الخليج. ويمكن للمرء أن يذهب أكثر فيقول إن هناك من يريد "قصداً" أن يستخدم عذابات مئات الآلاف من البشر من أجل الضغط الاقتصادي على الأردن لإرغامه على تعديل موقفه السياسي المتوازن ولتأديبه على تمرّده. ويمكن القول، ومع بعض المغالاة، إننا أمام "رهائن" في الاتجاه المعاكس. أمام "رهائن" يُرغَم الأردن على استضافتهم ويتحمل أعباء ذلك في وقت تبقى المساعدات المقترحة عليه مرهونة بموقفه من الحصار المضروب على العراق. يراد للأردن المشاركة في تجويع الشعب العراقي وإقفال حدوده باتجاه بغداد ولكنه عندما يقفل حدوده بالاتجاه الآخر، ويعبّر عن عجزه عن الوفاء بتبعات "العابرين" تقوم القيامة وتوجّه الاتهامات إلى عمان وتطلق التهديدات التي تطال حتى وجود البلد من أساسه.
هذه واحدة أخرى من المفارقات التي نعيشها اليوم وهي تؤشر على المكانة التي ترتضيها الولايات المتحدة وحلفائها لمن لا يعرف أن يدافع عن مصالحه.
من بناء خيمة مكيّفة ودائمة للمارينز فوق الأرض العربية، إلى محاولة تأبيد خيمة الشتات الفلسطيني، إلى الضن على العابرين الآسيويين والعرب ولو بخيمة... هذا هو "المجهود الحربي" الأميركي المدعوم من بعض العرب. أما الرفاه والتقدم والديمقراطية فللآخرين. لنا البؤس ودفع ثمن البؤس!

09/17/1990