إلى ما هنالك من أكاذيب

كان الرئيس الأميركي جورج بوش مشغولاً بإيجاد حل لأزمة الشرق الأوسط عندما قطعت عليه أحداث الخليج جهده وأرغمته على الانصراف إلى معالجتها. لذلك كان من الطبيعي أن يحقد على القيادة العراقية وأن يصمم على عدم العودة إلى اهتماماته السابقة إلا بعد تأديب المتطفلين الذين منعوا النهاية السعيدة لمشكلة تدوم منذ عقود من الزمن. ما يأخذه الرئيس بوش على القيادة العراقية هو أنها دست أنفها في ما لا يعنيها وأوجدت أزمة جديدة طالبة ربطها بتلك قيد المعالجة. كأن هذه القيادة تقول: لن نقبل حل قضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي وحدها، نحن أيضاً نملك مطالب ونصر على إقحامها وفرضها وإيلائها الاهتمام نفسه. لم يكن ممكناً لهذه "الفعلة" إلا أن تؤدي إلى تعطيل الحل الجاري تنفيذه للصراع بين الفلسطينيين وإسرائيل، والذي هو، كما يقال، لب أزمات الشرق الأوسط. كان الشعب الفلسطيني على قاب قوسين من أن ينال حقوقه الوطنية لو لم يتدخل العراقيون، بما هو معروف عنهم من فظاظة، لحرمان الرئيس بوش متعة أن ينقل إلى منطقة الشرق الأوسط مفاعيل "النظام الدولي الجديد" وأن يعطي لمجلس الأمن الدور المناط به في هذا المجال. قرارات المجلس كانت في طريقها إلى التنفيذ، بما فيها، الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة وضمان الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني. هذه هي الحقائق الدولية الجديدة التي تسهر الولايات المتحدة على شمولها العالم كله. ولكن حصل ما لم يكن في الحسبان. دخل العراقيون إلى الكويت مما أرغم مجلس الأمن على تغيير خططه والانصراف إلى معالجة الأزمة الكويتية واتخاذ القرارات ضد العراق. لم يعد بالإمكان الاهتمام بأي شيء آخر. العالم مليء بمشاكل لا حصر لها وليس منطقياً أن يحضر الشرق الأوسط مرتين على جدول الأعمال الدولي. وبما أن أزمة الشرق الأوسط الأولى كانت موضوعة على نار حامية، وبما أن أزمة ثانية اندلعت واضعة المنطقة كلها على فوهة بركان، كان لا بد من تحويل الأولى إلى الثلاجة لتبرير الوضع، ولحفظها من أن يتعرض لها أحد أو يلتهي بها على حساب ما هو طارئ. طردت الأزمة الثانية، الوافدة، الأزمة الأولى، المقيمة، واحتلت مكانها، كما في أي مستشفى جدير بهذا الإسم على المشرحة الدولية. وكان لا بد من محاربة فكرة الربط بين الأزمتين حتى لا يستفيد العراق، في مشكلته مع الكويت، من العناية الخاصة التي كان يوليها جورج بوش والفريق الطبي المساعد له، للشعب الفلسطيني وقضيته. انها عناية تستأثر بالاهتمام الكامل ولا تترك مكاناً لأي "شغل" آخر. ولا يغير من الأمر شيئاً أن أصحاب القضية أنفسهم يرتضون بتقليل حجم الإهتمام بهم وحدهم، وينتفضون في سبيل ذلك. الطبيب هو صاحب القرار لا المريض، والضمير المهني لبوش يأبى عليه الا أن يعالج حالة واحدة في الوقت نفسه. ثم انه حقق تقدماً ملحوظاً في معالجة "الحالة" الفلسطينية، بحيث بات يمكنه وضعها، مؤقتاً، على الرف. لكن هذا لم يمنعه من تدفيع العراقيين ثمن الإلهاء الذي قاموا به: لن يعاملهم بالرفق الذي ميز معاملته للشعب القلسطيني، ولن يغفر لهم، اطلاقاً، أنهم قدموا له شعباً عربياً آخر كضحية لا تخجل من أن تطالب باعطائها الأولوية المطلقة في الاهتمام لمجرد أنها تدفع نقداً وعداً، وأكثر، بدل ذلك. من الطبيعي جداً ألا يجد بوش غضاضة في سلوكه هذا. وأن يرفض التسامح مع دولة عربية قطعت عليه اهتمامه بأشقائها العرب وحاولت مزاحمتهم عليه، والاستفادة من لحظة الضعف العاطفي العابرة التي يمر بها الرئيس الأميركي من أجل أن تفرض عليه كمية عطاء تفوق طاقته. لا دخل للنوايا هنا، القدرة هي التي ترسم حدود العطاء.
وهذه القدرة تقول أنه لا مجال للربط بين أزمات المنطقة. واحدة واحدة. تكون البداية بالتفرغ الكامل للعراق، وبعد ذلك، تسحب القضية الفلسطينية من الثلاجة من أجل وضع اللمسات الأخيرة على الحل العادل والدائم لها، أي الحل الذي كان بوش قطع شوطاً كبيراً في انجازه.
هذا هو السبب الذي دفع الرئيس الأميركي الى اتباع السياسة التي اتبعها. وفّر دعماً عربياً كافياً لمبادرته، ثم حصل لها على موافقة دولية، ثم دفع مجلس الأمن إلى العمل بكامل طاقته، وخارج الدوام أحياناً، لإتخاذ قرارات ضد العراق وتوفير التغطية الكاملة لتطبيقها بالقوة اذا لزم الأمر. ما يريده الرئيس بوش، في الواقع، هو ايجاد سابقة يمكنه استخدامها لاحقاً ضد اسرائيل. فالحل الذي كان يعده لأزمة الشرق الأوسط لم يكن ينقصه الا الإمتثال الاسرائيلي للقرارات الدولية. تل أبيب تعارض، كما هو معروف، مجلس الأمن ومواقفه من الصراع العربي ـ الإسرائيلي وترفض أن يضع المجتمع الدولي يده على القضية. لذلك فان ايجاد سابقة في الخليج يساعد على التغلب على هذه الممانعة ويسمح للرئيس بوش أن يفرض الأمر الواقع على اسرائيل. لن يكون في وسعها، مستقبلاً، أن تعارض الجهد الذي سيعاود بذله، وبالتعاون مع العالم، لإرغامها على الانسحاب من الأرض العربية المحتلة. وستضطر الى التفكير مرتين بعد أن تكون رأت، بأم عينها، الحشد الدولي الذي قاده بوش ضد العراق، والعقوبات التي فرضها عليه، وتهديده بالقوة العسكرية (ان لم يكن استخدمها فعلاً). هذا هو التفسير الوحيد لسلوك بوش منذ 2 آب (أغسطس) ولا تفسير غيره.
***
لا تفسير، أيضا، لسلوك عدد من الدول العربية غير أنه تعبير، هو الآخر، عن الإنزعاج من التصرف العراقي. منذ أن اندلعت الانتفاضة، لا بل قبل ذلك بكثير، والأنظمة العربية لا هم لها الا حشد التأييد للشعب الفلسطيني، والضغط على الولايات المتحدة من أجل أن تستخدم وسائلها لإقناع اسرائيل بالإنسحاب والاعتراف بالحقوق الوطنية للفلسطينيين. وكانت هذه الأنظمة قد حققت نجاحاً باهراً في هذا المجال عندما أقنعت واشنطن، حسب ما جاء في الفقرة السابقة، بوجهة النظر العربية. لكن هذا الجهد العربي توقف فجأة مع الدخول العراقي الفجائي الى الكويت. برز همٌ آخر، وهو همٌ مطروح على أمة لا يستطيع قادتها حمل غير بطيخة واحدة في اليد، فكيف اذا كان مطلوباً اضافة الكويت الى فلسطين الى لبنان الى أريتريا الى... لم يتوقف الجهد فقط انما تحوّل في الاتجاه المعاكس. حصل نوع من "إحباط غرامي". تحول حبيب الأمس الى عدو اليوم. حالة غير عقلانية ولكنها حالة "العتب على قدر المحبة". لذلك، ورداً على ما قام به العراق من صرف الأنظار عن القضية الفلسطينية، جرت، وتجري، محاولة لتحميل الفلسطينيين (المصروفة الأنظار عنهم...) وزر الأحداث: حملات تلامس العنصرية، عمليات طرد وإبعاد، محاصرة تمويلية، وقف الدعم للإنتفاضة... غير أن هذا ليس سوى جزء بسيط لا يعبر عن درجة "المرارة" العربية بعدما تحولت الجهود المبذولة سابقاً الى أنقاض.
عسكرياً، وافق هؤلاء العرب على الحشد العسكري الأجنبي في الخليج، وشاركوا بنشاط فيه مع أنه يعني محاصرة للعراق تساعد على تغليب ميزان القوى لصالح اسرائيل. ووصل الأمر بواحدة من دول المواجهة حد أنها سحبت قوات من الخطوط الأمامية مع اسرائيل لإرسالها الى "الجبهة" الجديدة زاعمة أنها، بذلك، تلتف حول العدو وتوسّع دائرة المجابهة معه!
سياسياً، يقدم لنا ما جرى في مجلس الأمن نموذجاً عن هذا التحول. منذ أسابيع والولايات المتحدة ناجحة في تعطيل قرار الهيئة الدولية ومنعها من اتخاذ موقف حيال الصراع العربي ـ الاسرائيلي. ليس مسموحاً للمجلس أن يطالب بحماية دولية لسكان الأرض المحتلة (تحت إشرافه)، ولا أن يدعو الى مؤتمر دولي (في رعايته) في الوقت المناسب وبالهيكلية الملائمة من أجل حل أزمة الشرق الأوسط. وإذا كانت الولايات المتحدة قد نجحت في أن تختبىء وراء الاتحاد السوفياتي الذي كرر طلب تأجيل جلسة الإقتراع غير مرة، فان "المفاجأة" جاءت من بعض الدول العربية التي تبرعت لتلعب دور "اللوبي" في خدمة السياسة الأميركية. لقد شهدت أروقة مجلس الأمن حدثاً يحصل للمرة الأولى: ضغوط "عربية" قوية على دول عدم الإنحياز من أجل سحب مشروعها المؤيد للعرب وإعادة صياغته بشكل يتلاءم مع الشروط الأميركية!
لنتصور، لحظة، حالة الحكومتين الكولومبية والماليزية. لقد كان في تقديرهما، على الأرجح، أن النضال في سبيل تمرير هذا المشروع هو تأكيد لصداقتهما للعرب، ونوع من الأمانة لتراث عالمثالثي بقيت منه آثار في المؤسسات الدولية، ولا بأس، في هذا المجال، ان جرى تتويج هذا كله بمساعدات اقتصادية لبلدين، هما فعلاً، بأشد الحاجة اليها.
ولنتصور، في شكل خاص، حالة وزير الخارجية الماليزي الذي كلف نفسه كتابة عدد من المقالات في الصحف الأميركية يشرح فيها موقف بلاده مركزاً على الأهمية الخاصة للقدس في قلوب مسلمي العالم وفي القلب منهم المسلمون العرب. مسكين! لم يخطر في باله قط أن هذا الحماس سوف يقود الى تأزيم علاقات بلاده مع دول عربية "قادرة" ترفع الاسلام راية لها.
لم ينتبه المندوبان الى أن حماية الاسلام تغيّر مفهومهما. والى أن الواجب الجديد هو التصدي للتهديد العراقي والوقوف الى جانب الولايات المتحدة الأميركية ولو أدّى ذلك الى دفن أي قرار دولي يريد تطوير ذلك الذي اتخذ غداة المجزرة الاسرائيلية في باحة المسجد الأقصى. لم يستوعب المندوبان التحول السريع، ولم تدخل الأولويات المتغيرة في وجدانهما. كانا مثل المحاربين اليابانيين الذين يخرجون، حتى اليوم، من الغابات وفي اعتقادهم أن الحرب العالمية الثانية مستمرة! قد تكون ماليزيا المسلمة معذورة في عدم التقاط هذا التحول "الإسلامي"، ولكن أن ترتكب كولومبيا الكاثوليكية الخطأ نفسه...
هذه الدول العربية حالها حال الولايات المتحدة الأميركية. إنها حانقة على القيادة العراقية . تأخذ عليها افتعال مشكلة تؤدي إلى بعثرة الجهود العربية "الجبارة" التي كانت موجودة لحل المشكلة الفلسطينية. هذه الجهود التي أثمرت تحولاً جزرياً في الموقف الأميركي يجب البحث عنه في المرحلة الممتدة بين قطع الحوار مع منظمة التحرير وتجديد الإعلان عن التحالف الأميركي مع الحكومة الإسرائيلية في نسختها الأميركية المتطرفة!
تريد هذه الدول العربية، إذاً، معاقبة بغداد على اقتحامها الفج لسلم الأولويات وذلك بعد أن حاولت معاقبتها لنجاحها في منع الانتصار الإيراني في الحرب. وبالتالي، في رفع سيف التهديد من فوق رؤوس دول الخليج كلها. ليس التهديد بالتغيير بل بالاستتباع والتشرذم. لم تنفع المحاولة الأولى فلا بأس من تجربة ثانية. الحظ هذه المرة، أكبر. فالعصا الأميركية أقوى وبالامكان التستير على ما يجري باتهام العراق بالمسؤولية عن تبديد الجهد لحل القضية الفلسطينية و"إزعاج خاطر" واشنطن التي لا تستطيع توزيع عواطفها، مهما كانت جياشة، على غير شعب عربي واحد.
لا تسامح مع العراق إطلاقاً لأنه ارتكب جريمة كبرى. لقد وضع الكويتيين محل الفلسطينيين في الضمير الأميركي والغربي، هذا الضمير الذي لن يرتاح إلا بعد حل المشكلة التي أوجدها سواء عندما ذبح اليهود أو عندما ساعد بعضهم على تبديد شعب آخر. كان هذا الضمير يبحث عن شفاء له عن طريق مساعدة الفلسطينيين فجاء العراق ليقترح عليه دواء لا يشفي: مساعدة الشعب الكويتي!
***
إسرائيل، من جهتها، ترتكب الخطأ الأكبر في هذه القضية. فهي تدفع باتجاه تدميرالعراق غبير مدركة أنها، بذلك، تحفر قبرها بيدها. يضحك "عرب أميركا" في سرهم من قصر النظر الإسرائيلي.
لقد طالبت واشنطن تل أبيب بقدر من الإنكفاء تحضيراً لمطالبتها بالمزيد منه لاحقاً. و"لاحقاً" تعني بالنسبة إلى الولايات المتحدة سريعاً... وسريعاً جداً. لذلك يصر الرئيس بوش على خوض "حرب المواعيد" مع العراق. تريد الانسحاب الفوري من الكويت أو الدمار الكامل للعراق لأنها تتحرق رغبةً للعودة إلى الاعتناء بالقضية الفلسطينية. وأكثر من ذلك لا تعتبر المواعيد المضروبة مع بغداد، إذا حصلت اللقاءات، مناسبة حوار. سيكتفي جيمس بيكر بأن يقرأ على صوت عال القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن ضد العراق. وهو حالياً منصرف، في وقت الفراغ الباقي له، إلى حفظ القرارين 242 و338 لتلاوتها، لاحقاً، على إسحاق شامير. وهو يعتبر أن فعل التلاوة هذا هو نوع من "تابوت عهد" جديد يسقط أسوار الممانعة بمجرد أن يتاح له فرصة ترنيمه بصوته الرخيم!
هذا هو مكمن الخطأ الإسرائيلي: التشجيع على وجهة في حسم النزاع مع العراق لا يمكن لها إلا أن ترتد على تل أبيب وترغمها على الإنسحاب. والغريب هو أن إسحاق شامير متورط في هذه "اللعبة" وعاجز عن أن يرى "الغمزات" التي يتبادلها، من وراء ظهره مسؤولون أميركيون وعرب يعتبرون أن ما يحضرونه للعراق سيتحول إلى "مضرب مثل" وإلى "عبرة لمن يعتبر" إلى سابقة ستتكرر بعد 15 كانون الثاني (يناير) ضد الإحتلال الإسرائيلي. هذا الإحتلال الذي كان الرئيس الأميركي جورج بوش مشغولاً بإيجاد حل له عندما قطعت عليه أحداث الخليج جهده وأرغمته على الإنصراف إلى معالجتها. لذلك كان من الطبيعي أن يحقد على... إلى ما هنالك من أكاذيب!

كان الضميرالغربي المعذّب يبحث عن شفاء له عن طريق مساعدة الفلسطينيين فجاء العراق ليقترح عليه دواء لا يشفي: مساعدة الشعب الكويتي!

12/24/1990