السفينة والميتولوجيا
ننتمي إلى جيل لم يعرف سوى الهزائم المؤكدة والانتصارات المشكّلة. جيل ولد في أعوام النكبة وراهق مع الانفصال ودخل السياسة، فعلاً، بعد حرب حزيران (يونيو). عايش أحداث أيلول وفرح لحرب أكتوبر وهو يدرك أنها قد تتحوّل إلى كارثة سياسية. دخل بعد عام 1975 عصر الحروب الأهلية العربية حيث تتم الانتصارات على قاعدة الهزيمة العامة. حاول أن يسبح ضد التيار حتى بعد أن رأى القاهرة تتخلى عنه. شارك في الصمود الوطني صيف 1982 واحتار في تفسير الخروج: هل هو انكسار؟ هل هو انتصار؟ استطاع أن يهزم إسرائيل في لبنان لكنه لم يستطع أن يمنع "الطوائف" من مصادرة الإنجاز والتسلّح به لخوض "حرب المخيمات".
ليس غريباً أن ينظر أبناء هذا الجيل إلى الانتفاضة الوطنية في الأرض المحتلة ليروا فيها أول انتصار مؤكَّد يعيشونه وليتماهوا مع الجيل الثاني الذي يصنعها. إنه انتصار يقوم به شعب، لا نظام ولا طائفة، وهو يدخل مباشرة في رصيد الحركة الوطنية العربية كلها.
إنه انتصار ضد إسرائيل أولاً وضد حلفائها ثانياً، وضد محاولات الشطب والمصادرة التي اعتبرت، منذ سنوات، أنه لا داعي للتمويه على ادّعائها. وهو، أخيراً، انتصار يؤكد على منحى آخذ في التبلور منذ 1978: لا مجال لامبراطورية إسرائيلية في المنطقة. لا سياسياً ولا ثقافياً ولا اقتصادياً. إسرائيل تزرع لكن الولايات المتحدة هي التي تحصد. هذا هو ما حصل في "كامب ديفيد". وهذا هو معنى ما حصل في لبنان. ولكن الجديد، هذه المرة، أن المشروع الصهيوني في نسخته المتواضعة مهدد وأن واشنطن التي تهب لجني المكاسب لا تبدو واثقة من النجاح وذلك بسبب واحد هو أن الشعب إذا انتصر لا يبيع مكاسبه بالثمن المعروض عليه الآن.
انتفاضة الأرض المحتلة هي، بمعنى ما وإلى حد ما، ثأر لنكبة 1948. فهي تعيد التأكيد على الهوية الوطنية للشعب الفلسطيني في كل مناطق تواجده. وهي ثأر للعدوان الثلاثي. فإسرائيل المرتبكة لا يمكنها أن تكون، بالسهولة إيّاها، مخلباً استعمارياً فعالاً. وثأر لهزيمة 1967. الأراضي المحتلة عسيرة الهضم وليس أصعب من الانسحاب منها سوى ضمها. وثأر، أخيراً، لغزو 1982: لم تنجح محاولة ضرب منظمة التحرير في لبنان للاستفادة من تراخي قبضتها على "يهودا والسامرة".
لا يعني هذا الثأر أن آثار ما جرى قد أزيلت. لكنه يعني أن لا مجال بعد اليوم لمصادرة الانتصارات الجزئية التي تحققت عن طريق احتوائها وتجويفها وإسقاطها من الداخل، وأن الخصم مضطر إلى المحاصرة والتطويق من الخارج وأن مدخله إلى ذلك هو الاستغلال الكامل للثغرة العربية.
هذه "الثغرة" (إنها أكثر من ذلك بالتأكيد) قائمة فعلاً. وهي موجودة بالضبط في منطقة التفاوت بين مستوى النهوض الشعبي في الأراضي المحتلة وبين المحصّلة العامة للوضع العربي. خطر هذا التفاوت أنه يجعل الانتفاضة مكشوفة عربياً سواء على الصعيد الرسمي أم على الصعيد الشعبي. وليس أدلّ على ذلك من أن التحرك "الدبلوماسي" العربي، عندما حصل، حصل باتجاه فتح منافذ للخصم وتوفير أسس سياسية تسمح للإطفائي الأميركي أن "يبادر" من أجل إخماد الانتفاضة لا معالجة أسباب قيامها. ولم يكن هذا الأمر ممكناً لو أن الحركة الشعبية العربية كانت، على الأقل، في موقع القدرة على الردع، حتى لا نقول في موقع القدرة على الاستقبال الجدي لدروس الانتفاضة وأساليبها.
عندما جاء المبعوث الرئاسي الأميركي فيليب حبيب الى المنطقة عام 1982 جاء ليفك الحصار العسكري عن بيروت مشترطاً لذلك تلبية المطالب الإسرائيلية. وها هو يعود ثانية ولكن، هذه المرة، من أجل فك الحصار السياسي عن إسرائيل والاستفادة القصوى من "الثغرة العربية" لإيقاف مفاعيل الهزيمة الإسرائيلية ولتحويل الانتصار عليها، كما العادة، إلى انتصار مشكل لا يؤدي غايته وقد يؤدي عكسها.
ليس في ذهن المندوبين الأميركيين إلى الشرق الأوسط سوى أمر واحد: تحديد الخسائر الإسرائيلية وتحقيق مكاسب أميركية، أي وضع سقف شديد الانخفاض للتحوّل الطارئ على موازين القوى وكسب الرهان القائل بأن هزائم بعض العرب والانتصارات الجزئية لبعضهم الآخر كانت توظف في واشنطن، إن هذا الرهان قابل للتكرار حتى في مواجهة الانتصار المؤكد في الضفة والقطاع.
***
في أثينا، وبانتظار "سفينة العودة" كانت الأسئلة تتكاثر كالفطر. ما الذي يجري في إسرائيل الآن؟ تنسحب أو لا تنسحب؟ هل بات "الليكود" أقوى أم "العمل"؟ ما موقع إسحق رابين؟ كيف تفهم النخبة المشكلة الديمغرافية؟ كيف ستتصرف إسرائيل حيال السفينة (قبل نسفها، طبعاً)؟
سرعان ما كان ينتبه المتناقشون إلى أنهم، لمرة، يفكرون بالنيابة عن إسرائيل المهزومة ويتخيلون لها سيناريوهات الخروج من الورطة.
يرتفع صوت. ماذا لو نعطي أنفسنا فترة راحة؟ يجب على الانتصار أن يشيع جواً من السذاجة والبهجة الطفولية والاسترخاء. انتصرنا فلنتمتع. لا ضرورة لشغل البال. عندما كنا نخسر كنا نحزن ولا نفكر فما بالنا، عند الربح، نفكر ولا نفرح. هل نكون سُذّجاً عند الهزيمة لنتذاكى عند الانتصار وبشكل نبدو معه كمَن يحمل همّاً ثقيلاً؟ أم إنها قلّة العادة؟ كأننا عطشان في صحراء يقع على قربة ماء فيشغل باله بالمسكين الذي أضاعها. إشرب لا تفكّر. يا أخي إشرب وفكّر. لكن حذار أن تموت عطشاً وكلّك يقين أنك تموت حزناً على رجل أضاع قربة. ربما كان هذا الرجل إيّاه سبب عطشك.
يرد صوت آخر. لسنا في "اليوم السابع" حتى نستريح. إنه يوم لإكمال حرب الأيام الستة. مشكلة الإسرائيليين أنهم استرخوا في هذا اليوم وانتظروا رنين الهاتف فأفاقوا، بعد عشرين سنة، على حجر ومشروع سفينة. لا مجال للمقارنة بين نصرهم ونصرنا، ولكن يجب توفير الحالة الذهنية للتعامل مع ما يجري. لم نحسن إدارة هزائمنا فلنحسن إدارة انتصارنا، مهما كان جزئياً. تجري الرياح كما تشتهي سفننا فلتكن فرصة لتفكير هادئ. لا يجب أن نصاب بدوار البحر فالسفينة لم تبحر بعد. هناك مَن كان فعلاً على متن سفينة عند الخروج من بيروت ولم يصب بدوار البحر فلا معنى أن يصاب المرء بالدوار ولا سفينة في الأفق!
***
قد لا تؤسس الدول على العدل والأخلاق بل على اتجاه السفن. إسرائيل نموذج. وهي تعرف ذلك جيداً. لقد أقامت الدنيا ولم تقعدها من أجل عبارة منسوبة إلى مسؤول عربي: "سوف نرميهم في البحر". العبارة غير صحيحة لكنها كانت تفيد في تعبئة مستوطنين حملتهم البواخر من هامبورغ ومرسيليا وجنوبي إيطاليا إلى فلسطين. الذي حصل فعلاً هو أن إسرائيل رمت الفلسطينيين فعلاً في البحر مرة عند إنشائها وثانية عند غزوها للبنان. لم يكن في الذهن صيف 1982 أن واحدة من السفن التي توزّعت في كل مكان اتّجهت إلى أثينا معتبرة أنها تدشّن خطاً بحرياً جديداً بيروت ـ أثينا، أثينا ـ حيفا، وأنها تعتبر العاصمة اليونانية محطة ليس إلاّ.
من أثينا، 1982، بدا أن لبيروت وجهين ولأثينا وجهين. بيروت ـ الخروج تحوّل أثينا إلى نقطة عبور نحو منفى أكثر بعداً. بيروت ـ الصمود تجعل أثينا نقطة توثّب للعودة إلى موقع الانطلاق الأصلي: حيفا. بيروت الصمود تلغي نفسها وتلغي أثينا فيصبح الخارج من حيفا عائداً إلى حيفا.
بين رحلة الذهاب، بيروت ـ أثينا، ومشروع رحلة الإياب، أثينا ـ حيفا، لم يمر الزمن هادئاً. لقد تمّ تحويل الانشقاق الفلسطيني إلى حجمه الحقيقي، صفر. وصين القرار الوطني المستقل. وخيضت "حرب المخيمات" الدفاعية. ونجحت المناورات السياسية لكسب الوقت. واستُعيدت الوجوه الوطنية، وانفجرت انتفاضة الأرض المحتلة. هذه كلها حلقات مترابطة تؤكد أن "علم السياسة" غير "علم الهندسة"، أي أن الخط الواصل بين نقطتين يمكنه، حتى إذا تعرّج، أن يبقى قصيراً.
سيصدر كلام كثير يقول إن مشروع سفينة العودة قد فشل. وسيلجأ قائلو هذا الكلام إلى اعتبار إرجاء الرحلة دليلاً على ذلك. سيغيب عنهم، على الأرجح، أن مجرد طرح هذه الفكرة والسعي لوضعها موضع التطبيق يعنيان أن المشروع الذي فشل، في الحقيقة، هو ذلك الذي اعتبر خط حيفا ـ بيروت ثم بيروت ـ أثينا خطاً ذا اتجاه واحد لا يمكن عبوره في الوجهة المعاكسة. ليس الإرجاء نجاحاً، لكنه ليس هزيمة. إنه إعلان، مستند إلى وقائع، عن "حفظ الحق"، وعن أن البحر الأبيض المتوسط مفتوح على احتمالات عدة ليست كلها من نوع قصف ليبيا أو خطف الطائرة المصرية أو فرض "الحراسة" الإسرائيلية على الشواطئ اللبنانية.
***
منذ أن طرحت فكرة "سفينة العودة" والمسؤولون الإسرائيليون يحتجّون على أن الفلسطينيين يحاولون الاستيلاء على "الميتولوجيا الصهيونية" في شقيها: العودة ووسيلة العودة. وهم، بذلك، لا يعطون لأنفسهم الحق في احتلال الأرض وإبعاد ناسها فحسب، بل في اقتحام أحلام المبعدين ومنعهم من تحقيقها. الفرادة، في رأيهم، هي أنه يحق لهم، دون غيرهم، أن يحاولوا العودة بمجرد أن يعتبروا أنفسهم منفيين. إن الحق الذي يملكه من يعتبر نفسه منفياً منذ ألفي سنة لا يملكه الذي وقع ضحية النفي الفعلي منذ أيام!
يعتبرون، عن خطأ، أن دولتهم هي النقيض الذي ولّده المشروع النازي للإبادة ويريدون، في الوقت نفسه، أن يمارسوا مشروع الإبادة السياسية للفلسطينيين، كشعب، من غير أن تنتج ممارستهم نقيضها. يريدون، في اللحظة التي يكونون فيها جلادي الشعب الفلسطيني، أن يكونوا ضحايا الجلاد النازي. لا بل يريدون من رفض الفلسطينيين لمحاولة إبادتهم سياسياً أن يصبح استمراراً للمحاولة النازية في إبادة اليهود. يستعيرون من المشروع النازي حيالهم بعض عناصره. يطبّقونها على الفلسطينيين، ويرفعون الصوت لأن الأسباب نفسها تؤدي إلى النتائج نفسها!
إن للعصبية الإسرائيلية التي ووجهت بها فكرة سفينة العودة، وهي عصبية لم يجر تقديرها بالدقة المناسبة، سببين أساسيين:
السبب الأول سياسي. إن مجرد الشروع في تنفيذ الفكرة يعني إدخال الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي في منعطف جديد. إنهم عائدون! لا تعني هذه الصرخة كثيراً إلاّ لمَن يسند وجوده، حيث هو، إلى ذكريات تعود لمئات السنين رافضاً حق العودة لمَن لا تزال ذاكرته طرية وخضراء. فكيف إذا كان الوجود الأول نقيضاً للوجود الثاني. وكيف إذا كان هذا الأخير قد شرع في التطبيق الفعلي لقرار العودة. لا تعود السفينة، والحالة هذه، عملية رمزية. إنها دليل على وصول التوازن إلى نقطة يمكن معها زرع بذرة العودة، وهي بذرة، مقدّر لها، إن نمت، أن تحتل مساحة في المشروع التوسعي الإسرائيلي هي، بالضبط، المساحة المطلوبة لولادة الكيان الوطني الفلسطيني ولإطلاق مفاعيل هذه الولادة.
السبب الثاني ايديولوجي. إن إعلان حق العودة للفلسطينيين، وممارسته، يكشفان عن "النسبية" في الميتولوجيا الصهيونية ويظهران أنها كانت تحتوي، أصلاً، على ظلم لاحق. لم يكن ممكناً تحقيقها إلاّ إذا ارتبط ذلك، وبشكل عضوي، بالعدوان على شعب آخر. ليست حلاً لمشكلة في أرض لا شعب لها. إنها احتلال لأرض وتوسّع فيها. وهي أرض لا يملكها شعبها فقط بل يطالب بملكيته لها. هنا لا يعود التوسّع الإسرائيلي مهدداً وحده. المهدد هو جوهر المشروع الصهيوني المضطر لأن يكشف الزغل الذي تأسس عليه وليطرح على نفسه السؤال الذي يحاول تجنّبه: ما هو المصير النهائي لمشروع تأسس على ظلم شعب آخر؟
أن يطرح المرء على نفسه هذا السؤال يعني أنه بات مستعداً للتسوية لأنه ضبط نفسه بالجرم المشهود: جرم الاستيلاء على الأرض وإبعاد شعبها.
لقد بات مفهوم التسوية أنها تعني: الأرض مقابل السلام. أي يعطي الإسرائيليون أرضاً ليست لهم، هي الضفة والقطاع منقوصتان، ويأخذون سلاماً هو من حقهم وفوق أرضهم. لكن الواقع من وجهة نظر عربية هو غير ذلك. إنها تعني أن يأخذ الإسرائيليون أرضاً ليست لهم وأن يأخذوا فوقها سلاماً ليس من حقهم وذلك مقابل أن "يتنازلوا" عن جزء من أرض فلسطين لشعب فلسطين.
هذه التسوية، بغضّ النظر عن المفاهيم المتعارضة المعطاة لها، لن تقع إلاّ إذا دخل الشك قلوب الإسرائيليين واكتشفوا الجوهر العدواني في مشروعهم الأصلي. ولقد كانت هي الوظيفة العميقة لـ"سفينة العودة" ولذلك كانت ردة الفعل الإسرائيلية عصبية جداً. فهم يعرفون اليوم أن انتفاضة الضفة والقطاع تطرح أسئلة محرجة على "التوسّع"، كما سبق لحرب لبنان أن طرحت أسئلة (وأجابت عنها) حول "الحلم الامبراطوري"، فلا مجال، فوق ذلك، لطرح سؤال يتعلق بالصهيونية في حد ذاتها.
الحل، من وجهة نظر إسرائيلية، هو قطع الطريق على الشك. يقول شامير: "إن إسرائيل لنا. كذلك الضفة والقطاع. الشعب الفلسطيني تمثّله منظمة التحرير. لن نعطيه شيئاً وسننسف السفينة في قبرص". ويقول بيريس: "إسرائيل لنا. وكذلك قسم من الضفة والقطاع. الشعب الفلسطيني ضائع التمثيل. لن نعطيه شيئاً. ليتكفّل أي نظام عربي بقمع الفلسطينيين. وسننسف السفينة في قبرص".
يختلف الحلان ويتقاطعان. يتقاطعان عند منع الشك من التسلل إلى المسألة الجوهرية، وبالتالي عند التوتر ممّا يعنيه حق العودة وما تمثّله "سفينة العودة".
... لقد قالت إحدى صديقات المبعدين في أثينا "نحن نكون حيث تكون النار". قالت ذلك لأنها شعرت بالنار من دون أن تكون مستعدة تماماً لها. لقد أيقظ المشهد أحاسيسها وتكفّلت إسرائيل بالباقي: أحرقت في قبرص سفينة العودة من أثينا إلى حيفا مدركة أن ما تحرقه هو شبح سفينة التهجير من حيفا إلى بيروت ومن بيروت إلى أثينا.
