صفعة لادعاءات باراك

صوّت الكنيست الاسرائيلي بالأكثرية المطلقة على حل نفسه غير ان التعقيدات القانونية تجعل هذا الاقتراع تمريناً أولياً يتوجب تكراره ثلاث مرات قبل النفاذ. غير أن المغزى السياسي لما حدث هو نزع الثقة بالحكومة التي اقترع نصف الأحزاب التي تشكلها ضدها. واذا كان نزع الثقة من ايهود باراك يستلزم 80 نائباً، بحكم انه منتخب مباشرة من الشعب، فإن ذلك لا يقلل من أهمية الصفعة السياسية التي تلقاها.
انها صفعة لادعاءاته عن نفسه وثقته المبالغ فيها بقدراته والتي تعبر عنها ابتسامة دائمة تجمع بين الطفولية والتعالي. ولكنها، أيضاً، صفعة لعجزه عن لعب دور قيادي جدي كان يمكنه ان يدفعه لتعميم قناعاته والاصرار عليها. فلقد ثبت، بعد سنة على توليه الحكم، انه شديد التردد سواء في العمل من أجل التسوية مع سورية أو مع الفلسطينيين. ولذا فلقد بدأ يعاني مبكراً من "سيندروم نتنياهو" بما يعنيه من خسارة ثمن الذهاب بعيداً وخسارة اضافية ثمن عدم الذهاب الى حيث يجب ويكفي ان تكون اسرائيل على موعد قريب مع أضراب عمالي عام قد يشلّها تماماً من أجل القول ان باراك لم ينجح في مخاطبة القاعدة التي انتخبته سواء في شقها الاجتماعي، أو في شقها العلماني، أو في شقها السلمي. وبما انه كان رفع شعاراً لحملته الانتخابية هو "اسرائيل واحدة" رداً على ممارسات سلفه التي زعزعت الوحدة، فان المشهد الحالي يشير، وعلى الصعد كلها، الى انقسامات اكثر تجذراً وصلابة من السابق.
ان هذا المشهد العام هو الذي يفسر، ربما، سبب فشل باراك في اضافة انسحابه من لبنان الى رصيده الشخصي. فلقد دلت استقصاءات الرأي اللاحقة على ذلك ان النسبة العالية من التأييد الشعبي لهذا الانكفاء لم تتحول الى نقاط اضافية تعزز موقعه.
ان باراك اليوم هو في الوضع الأكثر سوءاً لأي سياسي: لا يملك خيارات. اذا اتجه نحو حكومة ضيقة تحظى بتأييد 52 نائباً بالاضافة الى النواب العرب فإنها ستكون حكومة مشلولة وعاجزة عن اتخاذ قرارات جدية. واذا اتجه نحو تجديد الائتلاف السابق بعد خلط أوراقه فإنه سيكون اعترف بالقدرة الابتزازية لشركائه (!) وهؤلاء يعارضون القرارات الجدية المحتملة على جبهة التسوية. واذا مال نحو كسب وقت تمهيداً لانتخابات مبكرة فإن الشلل يخيم على العمل الحكومي لأشهر مديدة. واذا تراجع نحو دعوة "ليكود" الى حكومة "وحدة وطنية" تستثني المتدينين فقد يفشل في اغراء ارييل شارون كما انه قد يضطر الى تحويل الشلل الى بديل سياسي مقبول لدى اليمين.
ولعله يعبر خير تعبير عن موقعه السيئ هذا. فما قاله أول من أمس غير ما قاله بالأمس، وربما يكون ما يقوله اليوم غير ما سيقوله غداً. فلقد كانت الصفعة قوية وزادها قوة انه تصرف كمن يسعى اليها فلم يجر الحسابات الضرورية ولم يستشر من هو اكثر باعاً منه في السياسات الداخلية الاسرائيلية.
ان حكومة مشلولة وادارة اميركية متجهة نحو خوض الحملة الرئاسية تعنيان جموداً في عملية التسوية. واذا كانت سورية تستطيع تمضية الوقت الضائع بانشغالاتها الداخلية، واذا كان لبنان ماضياً في طي صفحة الاحتلال، فإن السؤال الذي يطرحه باراك على نفسه هو، أيضاً، سؤال مطروح على ياسر عرفات: ما العمل؟ فالوقت على المسار الفلسطيني لا يمكنه ان يكون ضائعاً وموعد 31 أيلول (سبتمبر) يقترب بسرعة.

06/09/2000
الحياة