بعد اطلاق كرباستشي: "الوسط" المتأخر في إيران
يكفي ان يكون السؤال مطروحاً حتى يكون الموضوع جدياً. السؤال هو من يفوز في الانتخابات التشريعية في ايران بعد ايام. والموضوع هو ان الانتخابات هناك قريبة فعلاً من ان تكون انتخابات.
لقد شكّل وصول محمد خاتمي الى الرئاسة مفاجأة. وتجذّرت هذه المفاجأة بعض الشيء في الانتخابات البلدية. ومع ذلك فان علامات استفهام تحيط بتركيبة البرلمان المقبل.
ان المقارنة بين ايران والدول العربية هي لصالح ايران في هذا المجال. ففي البلد العربي الأكثر انفتاحاً، لبنان، هناك من يستطيع تسمية العدد الأكبر من النواب قبل شهور من عملية الاقتراع. وحصل ان المواطنين، قبل أيام، عرفوا اسماء الفائزين في عضوية مكتب المجلس الاقتصادي الاجتماعي قبل التئام الهيئة الناخبة فروعيت الشكليات وجرى تحديد موعد جديد.
ولا يسع المرء الا ان يتذكر انه في 1975 كانت ثمة دول عربية أكثر انفتاحاً من دول مثل اسبانيا أو البرتغال أو اليونان. ولكنه كان كافياً تغيير القشرة في هذه الدول الاوروبية حتى تعبّر المجتمعات عن نفسها. وتتراجع الديموقراطية عندنا أو، على الاقل، تبدو أكثر تخلّفاً بكثير مما هي عليه في شمال المتوسط. ومع ان هذه الأمثلة لا تصح تماماً على الحالة الايرانية فان في الإمكان القول انه، بغض النظر عن المشهد الخارجي، فان المجتمع الايراني أقرب الى الممارسة البرلمانية من مجتمعات عربية تتمتع بدساتير وحياة نيابية وصحف ونقابات، ولا تخضع لضوابط "ولاية الفقيه" القاسية.
ان الصراع السياسي في ايران مفتوح وحار. ومع أنه يبدو محصوراً في تأويلين أو أكثر للايديولوجيا التأسيسية، فليس سراً ان التوازن الحالي، اذا ما انكسر، سينفتح الوضع على احتمالات يصعب ضبطها. هناك من سوف يوظّف انتصاره في تغليب قراءة محافظة للخمينية في حين أن الطرف الآخر سوف يميل الى تفسير مخالف تماماً.
وبهذا المعنى فان الانتخابات التشريعية المقبلة شديدة الأهمية. اذا حقق انصار خاتمي نتيجة باهرة وفتحوا، بذلك، باب التجديد له، فانهم سينقضّون على معاقل "المحافظين" في مؤسسات الدولة من أجل محاصرة المرشد ودفعه نحو تسوية معهم. ولكن اذا كانت النتيجة مغايرة فان التوتر سيستمر الى حين يستكمل "المحافظون" عملية الضبط التي يفضّلونها والتي تبقى ناقصة ما لم يُستَعد موقع الرئاسة.
ولقد خاض الطرفان مواجهات محسوبة في العام الماضي. وكان الحقل الثقافي ميداناً لها. وحاول كل معسكر ربط خطواته بالقوانين واستخدامها في وجهة تفيده. وكما بدا ان جانباً يتجاوز هذه اللعبة فان الأمر ارتدّ عليه بسرعة.
ان قضية الاغتيالات التي طاولت مثقفين انعكست سلباً على الجهة المتهمة بها. وتظاهرات الطلبة حين فاضت عن حدود معينة وأحرجت القوى المؤيدة لها دخلت، فوراً، في خانة أرباح من كانت موجهة ضدهم.
والملاحظ ان سلوك كل من علي خامنئي وهاشمي رفسنجاني، في الحالين، كان متقارباً. فالأول رفض أن يكون مدموغاً بحماية المتشددين. والثاني حاول توسيع المسافة بينه وبين "الليبراليين". ومع ان العلاقة بينهما مثقلة بتاريخ من التنافس والنزاع فقد حاول كل منهما الامساك بالعصا من نصفها ورعاية التوازنات. بدا ان الاول يمين الوسط والثاني يسار الوسط. كما بدا انهما يتصرفان كمن يدرك ان أفق التجاذب مسدود وان الانتخابات في ايران، كما في بلدان اخرى كثيرة، تحسم في هذا الوسط بالتحديد خاصة عندما تلوح أشباح المواجهات الاهلية وراء اشتداد النوازع المتطرفة.
صحيح ان خامنئي يملك، دستورياً، صلاحيات أقوى بكثير من التي يملكها رفسنجاني. غير أن الثاني يعوّض عن ذلك بقدرة على المناورة وبإتقان مسلّم به لقواعد اللعبة السياسية. ولذا فانه عرف كيف ينحني عندما أصبح مستهدفاً في قضية رئيس بلدية طهران السابق غلام حسين كرباستشي. وقد كوفىء على هذه الخطوة التراجعية باطلاق رجله الأول عشية دخول الحملة الانتخابية مراحلها الاخيرة. وترافق ذلك مع تثبيت القرار بسجن أحد رموز "الاصلاحيين" وبالانسحاب الطوعي لأحد رموز "المتشددين".
غير ان السؤال المطروح هنا يتناول قدرة هذا "الوسط" على إنتاج تسوية ترضي "الغلاة". فانصار خاتمي يعتبرون، عن حق، أنهم الأكثرية وأن واجبهم استخدام صناديق الاقتراع لحسم الصراع. ويقابلهم تيار يعتبر نفسه "مستودع الشرعية". الأوائل يستندون الى الولاية الشعبية والآخرون الى ما يعتبرونه "ولاية الفقيه". ولذا فان هناك من يعتبر ان بروز القوة الثالثة تأخر وأنها لن تستطيع لجم الاندفاعة الواضحة نحو نظام الحزبين، علماً ان هذا النظام، في وضع ايران الخاص، قد لا يخدم، في صيغته الحالية، الا دورة واحدة يعود، بعدها، ليتشكل على أرضية القوة المنتصرة.
