الانتفاضة المتواضعة

الانتفاضة، حتى لا يساء تفسيرها، هي نتيجة لاصطدام بين مفهومين للتسوية.
تريد اسرائيل تكريساً واضحاً لتوازن الغالب والمغلوب. فهي ألحقت هزيمة تاريخية بالشعب الفلسطيني والأمة العربية وتريد ان تترجم ذلك الى معاهدات ومواثيق. ويعني ذلك، بالنسبة اليها، رفض اي بحث في ما جرى عام 1948 (حق العودة) وتقاسم الارض المحتلة بعد 1967 وابقاء القسم الاكبر من المستوطنات، والحصول على ترتيبات امنية، وارتضاء دولة فلسطينية محدودة السيادة ومنزوعة السلاح وتابعة اقتصادياً ودائرة استراتيجياً في الفلك الاسرائيلي. وتريد، فوق ذلك، الاعتراف العربي والتطبيع والعلاقات الثنائية التي تلعب فيها دوراً محورياً.
المفهوم الفلسطيني (والعربي الرسمي) للتسوية لا يرتضي ذلك كله. فهو غادر برنامجه الاصلي وتخلى عن الارضية الاولى للنزاع. وتدل وقائع ما جرى في كامب ديفيد الى الاستعداد لمزيد من التخلي، القبول بمحدودية السيادة ونزع السلاح، الانفتاح على حل لقضية اللاجئين لا يضمن حق العودة كاملاً، الموافقة على التنازل عن ارض، ولو محدودة، محتلة في 1967 مقابل بدائل بنسبة تسعة الى واحد، التزام امن اسرائيل، وعدم رفض مطلق لتقاسم السيادة على القدس باستثناء الاماكن المقدسة.
هنا حصل الاصطدام فكانت الانتفاضة. انها، والحال هذه، متواضعة في اهدافها: محاولة لتعديل موازين القوى من اجل التوصل الى اتفاق لا يتضمن تطبيقاً حرفياً للقرارات الدولية ذات الصلة.
ولعل هذا التواضع، الذي احتضنته القمة العربية الاخيرة، سبب رئيسي، معطوفاً على المواجهات اليومية، في جعل الهبّة الفلسطينية تحقق بعض اغراضها. لقد اربكت قوى مؤيدة لاسرائيل، ويبدو ذلك جلياً في سلوك الادارة الاميركية المربكة، اصلاً، بالحملة الرئاسية. ونجحت في تحييد قوى اخرى مسلّحة دولاً معينة، في الاتحاد الاوروبي مثلاً، بحجج قوية ضد دول معروفة بانحيازها الى اسرائيل. ويمكن القول، من دون خشية المبالغة، ان "الانتفاضة المتواضعة" فرضت، حتى الآن، قناعة مؤداها ان الحل غير ممكن من دون اخذ المطالب الفلسطينية، في حدها الادنى، بالاعتبار.
هذا نجاح مؤكد ولو انه باهظ الثمن. وهو لم يكن في حسبان الكثيرين ممن اعتقدوا انه يصعب وقف مسيرة التنازلات ومنعها من ان تجرف حقوق الفلسطينيين في مجالات الحل النهائي.
لقد توقفت مسيرة التنازلات هذه لأن الفلسطينيين وصلوا، ببساطة، الى قعر لا يمكنهم الهبوط دونه. ولعل مشاهد المواجهات اليومية تؤكد ان الشعب الفلسطيني ليس مهزوماً بمقدار ما تصورت اسرائيل وان قيادته لا يسعها ان تكون "روابط قرى" جديدة.
يرفض ايهود باراك الاعتراف بهذه الحقيقة. وآخر ابتكاراته في هذا المجال القول انه يريد السلام مع الفلسطينيين، ولكن لا شريك له في سعيه هذا. وهو يعني ان القيادة الراهنة لم تعد هذا الشريك. والاساس الخاطئ لموقفه هو الاعتقاد ان القيادة اكثر جذرية من الشعب في حين ان اي مراقب يستطيع اكتشاف ان العكس هو الاصح. غير ان باراك يلوم القيادة ويضغط على الشعب الفلسطيني. والواضح انه يريد "تدليك" الجسم الفلسطيني حتى يصبح مطواعاً وقابلاً لحلول تجهز على الحد الادنى من مطالبه الوطنية كما تم صوغها في كامب ديفيد.
يرفض باراك الاعتراف بأن هذا الامر صعب حتى لا نقول انه غير وارد اطلاقاً. لا مجال، واقعياً، لتنازلات فلسطينية إضافية حتى لو ارادها البعض. ويعني ذلك ان لا مخرج من الصدام الراهن الا بتراجع اسرائيل خطوات. ولكن باراك يرفض التراجع بحجة وضعه الداخلي. والصحيح انه يرفض ذلك لانه لا يريد ان يلعب دوراً قيادياً يوضح للجمهور الاسرائيلي ان لا مخرج آخر وان ما جرى في كامب ديفيد لا يكفي وحده اساساً لتسوية.

11/03/2000
الحياة