أسئلة فلسطينية

فور الإعلان عن فوز جورج بوش سرت التكهنات. ستكون الولاية الثانية مختلفة عن الأولى. ستتدخل واشنطن أكثر لحل الأزمة الفلسطينية الإسرائيلية. سيمارس بوش ضغطاً على أرييل شارون. طالما ان الرئيس لن يجدد لنفسه، وطالما ان نائبه ديك تشيني غير مرشح لأسباب صحية فان الأيدي ستكون طليقة لارغام إسرائيل على تنازل.
قيل، إضافة إلى ذلك، ان الإدارة تحتاج إلى عملية »كسب عقول وقلوب« من أجل تسهيل سياستها العراقية، ومن أجل توفير شروط نشر الديموقراطية، ومن أجل كسب قوى في الحرب المعلنة على الإرهاب.
وكان طوني بلير استبق نتائج الانتخابات الأميركية بالقول انه سيجعل من التسوية في الشرق الأوسط أولوية سياسته الخارجية. ثم عاد وكرر الأمر بعد 2 تشرين الثاني موحياً انه سيمارس »ضغطاً« على الولايات المتحدة من أجل ان تشاركه الرأي.
جاءت »غيبوبة« ياسر عرفات في هذا التوقيت بالضبط من أجل ان تجذب الانظار حول »الشيء ما« الذي يتوجب حصوله.
فالمشهد قبل »الغيبوبة« هو ان شارون ماض في ترتيب الاوضاع من أجل التمكن من تنفيذ خطة الفصل. وبالرغم من المتاعب التي يواجهها في حزبه ومعسكر اليمين فانه نجح في انتزاع اقتراعين في الكنيست يوفران صدقية لنواياه بما هي تطبيق الخطة أولاً، وبما هي دفن »خريطة الطريق« ثانياً.
ولذلك سرعان ما تحول الحديث، في عواصم عربية وغربية، عما بعد عرفات إلى حديث عن توفر امكانية مستجدة لايجاد صلة ما بين الخطة والخريطة. فالوضع الفلسطيني الذي قد ينشأ يحرم إسرائيل من زعم »ان لا شريك« ولذا فان الخطوات من جانب واحد اضطرارية. ولوحظ ان معلقين إسرائيليين تعمدوا، في معرض فك اسرار الولاية الثانية لبوش، التركيز على ان المرض الطارئ لعرفات يفسح في المجال أمام ايجاد صلة الوصل المطلوبة والتي تصر عليها مصر ولا يخفي الأوروبيون رغبتهم فيها.
من المبكر الحسم في اتجاه الاحداث. ولكن ما يمكن قوله، اليوم، هو ان أي صلة وحل، ان وجدت، ستكون واهية جداً. أضف إلى ذلك ان شارون سوف يستحضر ترسانته من الذرائع من أجل ان يقول ان مشكلته لم تكن مع عرفات الشخص وإنما مع القيادة الفلسطينية التي يدعي انها تتهرب من تنفيذ التزاماتها بموجب »الخريطة«.
ستبقى الكرة في الملعب الفلسطيني حتى من دون لائحة المطالب الشارونية. ستبقى هناك لأن الفلسطينيين في موقع الاضطرار الى ترتيب أوضاعهم وملء الفراغ الهائل الناشئ.
والصعوبة في هذه المهمات انها ستحصل في ظل غياب صمام الأمان الذي كانت الخطوط تتجمع عنده فتتحرك كيفما اراد لها أو تجمد عندما يكون في الجمود مصلحة وعندما يتحول إلى حائل دون أي تنازع أهلي.
فمن ميزات القيادة العرفاتية ان الآخرين، في الساحة الفلسطينية، يجدون القاسم المشترك معها ولكن، أيضاً، يضطرون إلى اتخاذ موقع معارض. ان الحلفاء الضمنيين لعرفات هم، أيضاً، معارضوه. ومن يراقب المشهد السياسي الفلسطيني يلاحظ ان كل طرف سمح لنفسه بترف المعارضة مطمئناً إلى انه مجرد قوة ضغط لا تملك تأثيراً إذا لم تمارس نفوذها على مركز القرار.
لقد أدى ذلك إلى عدم تبلور تيار سياسي. أو حزب، أو ائتلاف، يستطيع الزعم بأنه يمثل الحالة الوطنية جمعاء. لا اللجنة المركزية ل»فتح« نجحت، ولا اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، ولا الحكومة، ولا المجلس التشريعي، ولا القيادة الوطنية الموحدة... موسمياً. ولا وجود لمن يستطيع ان يمون على الإدارة في الضفة والقطاع، وان يضبط الأجهزة، وان تبقى كلمته مسموعة لدى الشتات.
لذلك ثمة اعتقاد بأن المهمة المطروحة على الفلسطينيين لن
تكون سهلة حتى في ظل الجمود فكيف إذا اتخذ قرار خارجي بتحريك الأمور في وجهة معينة.
ان المطروحة أسماؤهم لمواقع قيادية قد يكونون مقبولين من الخارج ولكنهم لا يوفرون هيمنة ذات صدقية على الداخل الذي يعني، أيضاً، ملايين الفلسطينيين في المنافي.
لنأخذ محمود عباس مثلاً. انه في الصف القيادي الأمامي ل»فتح« والمنظمة والسلطة. وهو يملك علاقات عربية ودولية متينة غير ان أبو مازن قادم إلى موقع جديد محتمل من ماض اعتراضي قريب. هل تسلس له »فتح« القياد؟ والمنظمة؟ هل نفوذه في غزة كما نفوذه في الضفة؟ ما العلاقة بينه وبين التجمعات الفلسطينية في الخارج؟ هل سينجح في ان يتراجع من وضعية المعارض المنكفئ إلى وضعية المسؤول الأول المدعو إلى تمثيل خط اجماع أو شبه اجماع وإلى احتواء الآخرين؟ هذه أسئلة جدية في ظل غياب التفويض الشعبي الصعب حالياً، وفي ظل انعدام ما يبرر وراثة المختلف لمن اختلف فيه. وما ينطبق على عباس ينطبق، ربما أكثر، على أحمد قريع. وعند الانتقال للكلام عن فاروق القدومي تقفز مشكلة العلاقة (اللاعلاقة بالاحرى) التي أقامها مع الداخل حيث مركز الثقل الحالي للحركة الوطنية الفلسطينية.
هل الحل في تقاسم للمناصب؟ هل من يضمن التناغم المطلوب فلا نعود أمام داخل يرفع لواء حق المصير وخارج يطرح شعار العودة؟ هل القيادة الموحدة التي تقترحها »حماس« هي الجواب؟ وإذا كان نعم فما هي الوجهة السياسية لهذه القيادة، ما هي استراتيجيتها، ما هي وسائلها النضالية المعتمدة، ما هي أجوبتها عن أسئلة لن تتأخر في ان تكون مطروحة؟
هذه الأسئلة، وكثير غيرها، يطرحها التقاء اللحظة الدولية الإسرائيلية بلحظة الارتباك القيادي الفلسطيني. وتتعزز خطورة هذه الأسئلة من التفاوت الواقعي بين الأجوبة المحتضنة اقليمياً ودولياً وبين المزاج الشعبي الفلسطيني كما يقدم نفسه حتى الآن.

11/06/2005