تقرير عن سير الأعمال

مشروع نقل لبنان من موقع إلى موقع يتقدم. لم يخض، بعد، أياً من معاركه الفاصلة لكنه يستعد لذلك. الجهات التي ترعاه أكثر نجاحاً، بما لا يقاس، في تهيئة المسرح لصالحها من الجهات المدافعة عن الأمر الواقع.
المشروع جزء من إعادة هيكلة المنطقة تحت ضغط العدوانية الأميركية لحظة التقائها بالتوسعية الإسرائيلية. أهداف المشروع شبه معلنة: إنهاء »حزب الله« كمقاومة ضاغطة على إسرائيل وداعمة للفلسطينيين، حرمان سوريا من الحد الأدنى من القدرة التفاوضية، تنفيذ خطوات استباقية تحسباً لتطورات الملف النووي الإيراني.
لقد كان مقدراً لهذا المشروع أن يسعى إلى تحقيق اختراقات غداة الانتخابات العراقية، وبعد »النجاح« النسبي في إنعاش مؤسسة التفاوض الفلسطينية الإسرائيلية. ولكن ما لم يكن في الحسبان تماماً أن ينضاف شرط لبناني إلى الشروط الإقليمية الملائمة، وأن يكون ذلك على مستوى جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
إن مشروع نقل لبنان من ضفة إلى ضفة كانت تنقصه، إلى حد ما، »الحلقة اللبنانية«. ما القصد من ذلك؟
ينبني »قانون محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان«، والقرار 1559، على فرضية تقول إن أكثرية اللبنانيين هي مع مطالب الانسحاب السوري الكامل، وإرسال الجيش إلى الجنوب، وتجريد حزب الله والمخيمات الفلسطينية من السلاح... غير أن هذه الفرضية لم تنجح في الامتحان الداخلي. لقد بدا، حتى قبل أسابيع، أن أكثرية اللبنانيين قد تكون صاحبة رأي آخر. ولم يكن صدفة أن يتركز النقاش اللبناني، ولشهور، حول عناوين مثل »الاستفتاء«، »الديموقراطية العددية والديموقراطية التوافقية«، »العدد والنوع«، »المعارضة التي تمثل إجماع اللبنانيين«، إلخ... إن هذا النقاش، السخيف للوهلة الأولى، متصل بصحة أو خطأ الفرضية التي نهض عليها القانون الأميركي أو القرار الدولي.
ولقد انعكس ما تقدم في صياغة قانون للانتخاب محكوم بهمّين. الأول الحصول للموالاة على أكثرية نيابية. ثانياً، عدم إثارة فضيحة تستدرج المزيد من التدخل الخارجي وذلك عبر إرضاء الجناح المسيحي من المعارضة. غير أن ثمن الإرضاء كان الدعوة إلى احترام خط أحمر هو عدم جواز التحالف مع الحريري. أي أن السلطة فضلت أن ترضي القوى الأكثر جذرية في المعارضة من أجل إغرائها بالابتعاد، ولو انتخابياً، عن من صنفته السلطة القائد الفعلي لهذه المعارضة.
وجد الحريري نفسه، وبما يمثل محلياً ودولياً وعربياً، في موقع القدرة على الترجيح. إذا رفض الانحياز إلى المعارضة وشعاراتها بقي المشروع الدولي حيال لبنان فاقداً للسند المحلي المقنع القادر على التحول إلى أكثرية نيابية. وإذا مال إلى
المعارضة أمكن القول إن »الحلقة اللبنانية« باتت جاهزة وإن في الإمكان افتتاح ورشة التنفيذ الجدي لإعادة صياغة موقع لبنان الإقليمي.
اغتيل رفيق الحريري عند هذه اللحظة.
يقتضي العرف القول أن لا داعي لاستباق نتائج التحقيق. هذا صحيح. لكن روزنامة التحقيق يصعب ضبطها على الروزنامة السياسية. ثمة جرائم مزمنة لم تُعرف أسرارها ولن تُعرف. ومن المرعب التفكير في أننا قد لا نعرف، بالضبط، من قرّر وخطط وأشرف ونفذ. ولكن ما نعرفه تماماً هو أننا أمام معطى سياسي جديد في لبنان. وهذا المعطى ناجم عن ميل جمهور الحريري عفوياً إلى تحميل السلطتين اللبنانية والسورية المسؤولية، والانتقال السريع لهذا الجمهور إلى صفوف المعارضة وشعاراتها، هذه الشعارات التي شهدت تجذيراً كبيراً اعتباراً من 14 شباط.
إن الحجة الوحيدة المستخدمة لتبرئة الجهات المتهمة سياسياً (طالما أن لا دليل حسياً على الإطلاق) هي أن الاغتيال أدى إلى توسيع القاعدة الشعبية للمعارضة بما يضر الجهات المتهمة... لذا يتوجب التفتيش في مكان آخر. كان يمكن لهذه الحجة أن تكون وازنة أكثر لولا أنه في الإمكان إعطاء عشرات الأمثلة عن خطوات ارتدت على الذين أقدموا عليها. فالعقلية الحاكمة ليست عقلية تراقب المزاج الشعبي، وتخشى تحوّل كتل بشرية، وتعرف كيف تتراجع وتبادر، وتناور، وتغري... كلا. إنها عقلية تذهب إلى ما تريد غير سائلة عن درجة المواكبة الشعبية فإذا واجهتها مشكلة تحلها بتدبير إداري يبدأ باستخدام القضاء ويتدرّج صعوداً.
المعطى السياسي الناجم عن الجريمة وفّر »الحلقة اللبنانية« المطلوبة: لقد بات في الإمكان القول إن نقل لبنان من ضفة إلى ضفة هو مشروع يحظى بتأييد أكثرية اللبنانيين. بات في وسعه أن يندرج تحت عنوان جذاب: نشر الديموقراطية في الشرق الأوسط الكبير.
انعكس هذا التحوّل في عدد من المجالات:
أولاً تحولت بروكسل، لأيام، إلى عاصمة التقرير في شأن المصير اللبناني: إنه بلد ذو تقاليد ديموقراطية ولكنه خاضع لجار مستبد، وواجب المجتمع الدولي مد اليد إليه لإنقاذه. لا شعار أفضل من هذا الشعار لتجديد الروابط الأطلسية واستذكار أن الحلف قام أصلاً للدفاع عن »الحرية«.
ثانياً لم يعد مطلوباً البحث عن أسباب دعوة سوريا إلى الخروج، وتجريد »حزب الله« من السلاح. هذه قضايا إشكالية (تطبيق الطائف أم 1559؟ إدراج الحزب على قائمة الإرهاب أم لا؟...). بات يكفي رفع لواء »حرية الشعب اللبناني« وإدراج ذلك في سياق حروب الحرية المتنقلة من أفغانستان، إلى فلسطين، إلى العراق. تحت هذا الشعار يمكن تمرير كل الباقي: لجنة تحقيق دولية، بدء التطبيق الفوري ل1559 شرطاً لضمان نزاهة الانتخابات، حضور المراقبين الدوليين للعملية الانتخابية... باتت الانتخابات نقطة توسط مفصلية بين ما يتوجب تنفيذه قبلها تحضيراً لها وما سيتأسس على نتائجها. وكل انزياح عن هذا الخط المستقيم يعني أن تزويراً حصل وأن الحرية مهددة وأن المثال الأوكراني جاهز.
كانت الانتخابات سلاحاً في يد السلطة. إنها، اليوم، سلاح ذو حدين.
ثالثاً استدعت الجريمة التدخل العربي. فالحريري رجل النظام العربي في لبنان. ولكن التدخل حصل، أيضاً، لأن منسوب المخاطر ارتفع. والرسالة العربية إلى لبنان وسوريا هي دعوة للتأقلم مع الوضع الدولي وتجنب أي مواجهة. كانت مصر واضحة في هذا المجال. غير أن الأنظار تتجه فعلاً إلى المملكة العربية السعودية بحكم علاقتها الخاصة بالراحل وأسرته. المملكة معنية طبعاً بإرث الحريري، وبسنّة لبنان. ولكن السؤال هو عن النصيحة التي ستوجهها إلى الورثة السياسيين للحريري؟ إن حصيلة أي تدخل عربي هي السعي إلى تأمين مخرج. ولكن لا مخرج من دون قرارات سياسية كبرى تتخذها سوريا.
رابعاً ازدادت صدقية الطعن بمشروعية السلطة. إن تحول »الحوار« إلى شعار سلطوي إقرار بنقص المشروعية. إن الرد السياسي على العمل الأمني يضع المعارضة في موقع الأرجحية الأخلاقية بالنسبة إلى مواطنين عاديين (ونحن منهم). تبدو المعارضة محقة عندما ترفض الحوار وكأن شيئاً لم يحصل. وتبدو محقة أيضاً عند المطالبة بلجنة تحقيق دولية. وتبدو محقة أيضاً عند المطالبة بحكومة حيادية...
قيل إن اغتيال الرئيس الحريري عملية تسريع للتاريخ... إلا أنه تسريع في الاتجاه الذي كان يسير فيه: انكشاف سوري لبناني حيال الخارج، انكشاف سوري في لبنان، انكشاف السلطة اللبنانية حيال المجتمع.
المؤدى الراهن هو أن مشروع نقل لبنان من ضفة إلى أخرى، حسب آخر تقرير عن سير الأعمال، هو في حالة جيدة. صحيح أنه لم يواجه بعد العقبات الجدية إلا أنه يمهّد لذلك بنجاح.
من حق معارضي هذا المشروع أن يشعروا بنوع من اليتم. فالأداء الرسمي السوري اللبناني يبدو أنه عنصر مساعد في هذا الانتقال لأنه يملك طريقة خاصة في مقاومته تسدي إليه، كل مرة، أفضل الخدمات.

02/25/2005