هل عثرنا فعلاً على »أسطورة مؤسِّسة«؟

هل نعيش، في لبنان، لحظات تأسيسية؟
نعم يجيب متفائلون. لقد توحّد اللبنانيون في تشييع الرئيس رفيق الحريري. تناغمت التيارات السياسية المعارضة والمعبّرة عن الطوائف والمذاهب كلها. كانت الشعارات متشابهة ولو أن هناك من يمارس عليها وكالة حصرية. كان الحزن عميقاً جداً، وحقيقياً، الأهم من ذلك أنه كان عاماً وعابراً للمناطق والأجيال والطبقات والطوائف. لم يسبق للبنان أن انخرط في عملية شبيهة تذوب فيها العصبيات والفروقات.
نعم بات لبنان يملك »أسطورة مؤسسة«. كل بلد يحتاج إلى ذلك. ولبنان شديد الاحتياج إلى ما يساعده في ابتناء هوية وطنية جامعة تتعرّف فيها إلى نفسها مكوّناته وفئاته الراغبة في عقد سلام فيما بينها يتجاوز مجرد الهدنة والاتفاقات المؤقتة.
استشهاد رفيق الحريري هو حجر الأساس في هذه الأسطورة المؤسسة. لبنانية الرجل الغنية عن البرهان معطوفة على عروبة وديعة وحميمة وصادقة معطوفة على نبل في السلوك الاجتماعي حيال الفقراء معطوفة على تطوير للدور الاقتصادي الليبرالي المرسوم للبنان معطوفة على الصلات التي تذكّر المواطن بعالمية الانتشار، إلخ... إن هذه العناصر، وغيرها، تشكّل الضالة التي بحث عنها المواطنون جميعاً ولكن لم يكن في وسعهم الاهتداء إليها لولا أن دلهم دوي الانفجار المدبّر من سلطتي العمالة والوصاية. إذا كنت مسيحياً فلك في الحريري حصة، الحريري الشهيد خاصة، وإذا كنت مسلماً فالأمر كذلك. وأيضاً إذا كنت غنياً أو فقيراً، مدينياً أو ريفياً، فرنكوفونياً أو أنغلوفونياً، عروبياً أو لبنانياً...
كان لبنان، في تشييع الحريري، شبيهاً بمسرح الرحابنة عن لبنان. تبخرت التباينات والخلافات والتمايزات والتعددية وعاد الكل، في قلب المدينة الحديثة، إلى هناءة ريفية، إلى سكون، إلى دعة، إلى تحابب لا يعكّره سوى غريب أو طارئ أو طابور خامس أو مندس. بدا، لمرة، أن مستحضرات الفولكلور يمكنها أن تكون جدية: المآذن والأجراس، الجوامع والكنائس، الإنجيل والقرآن، الأشرفية والبسطة، من دون أن ننسى، طبعاً، أن لبنان طائر يحتاج إلى جناحين! ولقد كان ملفتاً أن كتّاباً ومعلقين وسياسيين ومثقفين استغرقتهم هذه الحالة وأخذتهم فكتبوا أن شعباً جديداً يولد، وأن الفينيق ينبعث، وأن نظرية صدام الحضارات سقطت، وأن الوحدة الوطنية انتصرت على المتشكّكين، وأن الجوهر اللبناني خرج من مكنونه. لقد قيل، في أيام، عشرات المرات أكثر ممّا قيل خلال سنوات تمجيداً لهذه المعجزة اللبنانية، لهذا الاجتراح العجائبي، لهذا الاختراق الخارج عن المألوف، لهذه الظاهرة العصية على التفكير، أي، باختصار، لهذه الخرافة التي ذهبنا منها، غير مرة، نحو الحروب الأهلية، والاقتتال، والتصفيات الهمجية، والتطهير الطائفي، وحسم الخلل الديموغرافي بالإبادة، والاستعانة بكل قوة أجنبية، وارتكاب الجرائم ضد الإنسانية....
لقد اندلق المخزون الإيديولوجي اللبنانوي مرة واحدة بحيث كان مستحيلاً، خلال أيام، وربما في المستقبل، الخلاص من عبق التآخي والمحبة والانصهار وكل المترادفات المماثلة الواردة في قاموس الابتذال المعروف.
لقد انتبه البعض إلى »الطائفة الغائبة«. وارتفعت أصوات تدعو إلى إشراكها وتناشدها الانضمام وعدم كسر الإجماع. ولكن تميّز بإبداء قلق كبير من هذا الغياب من يعد العدة ويشحذ السكاكين استعداداً لاستكمال الاستدارة من موقع إلى موقع متخففاً، لحظة بعد لحظة، من أي رقابة أخلاقية.
يستحق الرئيس الحريري التشييع الذي رافقه إلى مثواه الأخير. وأكثر. والحريري سياسي لم تحده طائفته. ولقد مثل، في مرحلة من تاريخ لبنان، إمكانية جدية لإعادة تركيب البلد على معادلات جديدة. واغتيال الحريري استفزازي إلى أبعد حد. ولا شك أن الحزن عليه حقيقي وعميق. ولا شك في المعاني الكبيرة للاتهامات الشعبية التي حددت الجهات المسؤولة. ولم يكن ممكناً التقليل من قيمة المشاعر الغاضبة التي لفّت اللبنانيين وغيرهم وأزالت حواجز كثيرة من أمامها. ليس هذا كله موضع شك. ما هو مطروح للبحث هو السؤال: هل نحن، فعلاً، أمام لحظة تأسيسية بالمعنى الذي يسمح بنهوض بناء وطني متين فوقها؟
السؤال أكثر من ضروري. ففي وجه ما يبدو تضخماً تفاؤلياً طقوسياً ثمة قلق بيّن يساور اللبنانيين ويتجاور مع الشعور بأن الوحدة السلبية في الحزن قد لا تكون، وحدها، عاصماً دون الأزمات القادمة. هناك من قال إن الانقسامات اللبنانية تعمّقت في السنوات الأخيرة فهل يتوجب تصديق الإيحاء القائل بأن المصالحات ألغت الخلافات وبأن مناخاً جديداً يسود؟
هل حضور الأعلام كلها والصور كلها في مكان واحد، وضد »عدو« واحد، يدل بشكل كاف على أن دينامية التنابذ التي تفاقمت في لبنان قد توقفت وحلت محلها دينامية تقارب تستطيع إنتاج صيغة توحيدية؟
تجدر الملاحظة أن الأكثرية الساحقة من حملة الأعلام والسائرين وراءهم لا تملك كلمة انتقادية واحدة تقال في حق ممارسات سابقة.
نريد أن نعرف، علام يندم الاشتراكيون المتفاخرون حتى الأمس بحروب الجبل ضد »القوات« في حين أن القواتيين لا يندمون على السلوك الذي أوصلهم إلى الجبل إياه؟ هل قدم الشماعنة نقداً ذاتياً عن »المرحلة الإسرائيلية« وأحد قادتهم يجاهر بأنها فترة ذهبية سمحت بإحباط المشروع الإسرائيلي لتوطين الفلسطينيين (!) بواسطة السلاح الإسرائيلي؟ هل خطا العونيون فعلاً خطوات لملاقاة الآخرين بقدر ما فعل هؤلاء المنحازون تباعاً إلى شعارات حاربوها؟ هل يستطيع أحد أن يشرح لنا »الصيغة الجديدة« بغير التعريف السلبي ضد الوجود السوري؟ نحو أي توازنات نحن متجهون؟ نحو أي تقاسم للسلطة؟ نحو أي ملء للفراغ الذي تركه غياب رفيق الحريري؟ نحو أي سيادة؟ نحو أي منظور للإصلاح الداخلي سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وإدارياً؟ كيف سيوظف أمراء الطوائف والمذاهب انتصارهم على »الدولة الأمنية«؟ ما الصلة بين رفع منسوب الكلام عن الانصهار حتى الذوبان في بوتقة »الشعب الجديد« وبين الإصرار على الطبيعة الطائفية للنظام السياسي؟
والسؤال الأهم هو: ألا تبدو لحظة التوافق هذه أقرب ما تكون إلى لحظة توصّل دونات المافيات الطائفية إلى الطريقة المثلى للتقاسم وتوزيع الحصص وتنظيم تحصيل الخوات؟ هل تلوح دولة مركزية ما وراء هذا الانقلاب الزاحف؟ أما عادت الفدرالية، وربما التقسيم، شبحاً يلوح خلف التوازنات الناشئة؟ هل يعقل أن يكون اغتيال الحريري قد أزاح العقبة التي كانت تعترض وحدة اللبنانيين وذلك حتى لو كان ذلك بمعنى ارتداد الاغتيال على مرتكبيه؟
إنها أسئلة لا اتهامات. وهي أسئلة المتشكّك الملدوغ غير مرة، والعاجز عن الاعتقاد بأن جديداً رائعاً ستصنعه هذه النخبة المنخورة بالفساد والطائفية والانتهازية، والداخلة في صراع ضار على السلطة مع الجناح الحاكم الذي يوازيها فساداً وطائفية وانتهازية. على هذه الضفة من المواجهة كما على الضفة الأخرى ثمة عناصر »كشفية« بريئة، ولكن على هذه الضفة كما على الأخرى تبقى السيطرة لقطاع الطرق.

02/26/2005