»انتفاضة الاستقلال«: ضد التبسيط

يعاني ما يكتب عن »انتفاضة الاستقلال« من تبسيطية مذهلة.
تقضي الحقيقة القول إن أحداً لم يدن هذا التحرك ويعتبره مجرد ترجمة ميدانية لمؤامرة يجري تنفيذها ضد العلاقات اللبنانية السورية، وضد عروبة البلد. ربما هناك من يرى إلى الأمر بهذه العقلية إلا أنه خفيض الصوت.
الغلبة الكاسحة هي لتمجيد التحرك وإسباغ كل النعوت الإيجابية عليه. لقد بتنا أمام معادلة تزعم: »أنت شاب منتفض، إذن أنت على حق«. إنه ربيع بيروت، إنه الحلم المستعاد، إنها السياسة وقد عادت إلى احتلال الساحة، إنه اندراج في المزاج الكوني الديموقراطي »الحقوق إنساني«، إنه رفض للعسف ورفض المساءلة وانعدام الحرية... ويتميّز بعض من يكتب بأنه يسقط على الشباب وعيه فإذا بالانتفاضة رسالة إلى شعوب الجوار، وانبعاث العروبة الجديدة، ودرس لبناني إلى مقموعي المنطقة من أجل كسر الأغلال وتدشين نهضة حديثة.
وفي حين يتم الاستغراق في هذا الوصف الأخلاقي يتم ذلك باسم »عودة السياسة« علماً أن الغائب الأكبر عن التقييم هو، بالضبط، »السياسة«. ربما كان ما يجري في لبنان أهم مما يسمى »السياسة السياسوية« لكن لا أحد يجرؤ على مغادرة التبسيط من أجل تحمّل المسؤولية الكاملة عن وضع ما يجري في سياقه الحقيقي.
هناك من يعتقد أن التبني الأبوي للهبّة الشبابية هو أقصى النقد الراديكالي للسلطة القائمة ولسلطة الوصاية. إلا أن الحقيقة هي أن المعيار الجدي للراديكالية، اليوم، في لبنان هو في التعاطي النقدي مع هذه الهبّة، أي التعاطي غير المضطر إلى قمع ابتهاجه ولكن المهتم بأن يضفي قدراً أكبر من العقلانية على الأحداث المتدافعة التي نشهدها.
ربما كان المدخل إلى هذا التعاطي الراديكالي فعلاً هو التسليم، بادئ ذي بدء، بأن الصورة أكثر تركيباً وتعقيداً. تعبّر الانتفاضة الشبابية عن احتجاج يملك مشروعية لا تناقش، ولكنها، أي هذه الانتفاضة الشبابية نفسها، هي جزء من كل، إنها تفصيل مهم جداً في صراعات مندلعة في المنطقة كلها، وهي، برغم كل شيء، عنصر من عناصر الانكسار في موازين القوى لصالح الغزوة الكولونيالية المنعقدة على التوسعية الإسرائيلية.
ليغادر التبسيطيون ادعاءاتهم وليتعاطوا بشكل ملموس مع الواقع الملموس. لن يكون في وسعهم، وبعضهم ذو وعي كوني مؤكد، إنكار أن هذه الهبّة بند في برنامج يملك قوى جبارة دافعة في اتجاهه هي، بالضبط، قوى متحكّمة في العالم وترغب في قيادته نحو أهداف معلنة هي، في جوهرها، أهداف »تتمتع« بدرجة عالية من المحافظة والرجعية.
إلا أننا نشهد، هنا، ومرة أخرى، انفصاماً بين خطاب المستعمِر وخطاب الترويج للاستعمار. الخطاب الأول يكون أقرب إلى الدقة، وإلى تعيين الأهداف، وإلى حديث المصالح والخطط والأهداف. الخطاب الثاني يكون أقرب إلى الضبابية، والعمومية، والتبشير، ونسبة النوايا الحسنة إلى الآخر، والاهتمام بتقديم الهيمنة بصفتها تحرراً. لقد اخترق هذا الانفصام التاريخ الكولونيالي كله وشهدنا، في الوطن العربي، نماذج فاقعة عنه في العقود الأخيرة حين كانت الولايات المتحدة تبرّر سياستها بالنفط، وأمن إسرائيل وتوسعها، ومحاربة التحرر، والدفاع عن المصالح الوطنية الاستراتيجية والاقتصادية فتردد أبواقها، عندنا، أن هذه السياسة إنما هي مدفوعة بنشر الحرية، وتلبية مصالح العرب، وتحرير الشعوب من...ومرة أخرى يجد المرء نفسه، إذا كان معادياً للغزوة الكولونيالية، يقول كلاماً في توصيف ما يجري أقرب إلى ما يقوله الاستعماريون قياساً بالقدر الكبير من التخريف الذي يعممه الدعاة المحليون لهذا الاستعمار.
لذا نستميح ممجدي الانتفاضة الشبابية عذراً. نسلم معهم بالمشروعية العالية للاحتجاج. لكننا لا نستطيع أن نعمي أبصارنا عما يقال ويكتب في شأن هذه الانتفاضة وموقعها في الولايات المتحدة وإسرائيل. أكثر من ذلك يجد المرء نفسه أقرب إلى هذه التقديرات المركبة من تلك التقديرات الفاغرة فاها، المقفلة أدمغتها، الجامعة بشكل خلاق بين إحباطاتها السياسية ودروس هذه الإحباطات وبين الاندفاعة الشبابية.
نزعم أن الوضع معقد، ونضرب مثلين.
لنفترض، جدلاً، أن نتائج التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري أبعدت الشبهة بشكل قاطع عن سوريا. إن ذلك لا يغيّر شيئاً في النتائج السياسية لما حصل. وربما يفترض أن يضع الرئيس بشار الأسد هذا الأمر في حسابه عندما يلقي كلمته اليوم. إن انفجار الغضب الذي حصل، والوجهة التي اتخذها، والعواقب الناجمة عنه، إن هذه الأمور كلها لا تختصر بالحقيقة في ما يخص مرتكب الجريمة. إنها نتيجة احتقانات سابقة، ومديدة. وهي ثمرة أخطاء متراكمة. وقد تكون ناجمة عن عطب بنيوي أصاب العلاقات بين البلدين وجعل أي علاقة بينهما مستحيلة إلا إذا كانت غير سوية. لن نفهم إطلاقاً مشروعية »الانتفاضة« إلا إذا أجرينا مراجعة نقدية للعلاقات اللبنانية السورية، وإلا إذا أدركنا مسؤوليات التردي، وإلا إذا فهمنا معنى ألا تكون هذه العلاقات مفتوحة إلا على المزيد من السوء. نضع جانباً النقص في الربحية اللبنانية والسورية، فالكارثة الفعلية هي في الخسائر التي سيصعب تداركها في المستقبل القريب والتي لن تنفع أهازيج النفاق الحالية، في لبنان وسوريا، في التغطية عليها. إن الانتفاضة الشبابية، بهذا المعنى، مزيج من مشاعر ومواقف متعددة بعضها نبيل، وديموقراطي، ووطني بكل ما لهذه الكلمات من معنى.
لكن هذا وجه من وجوه الواقع.
الوجه الثاني لذلك هو أن الأوضاع تتجه نحو تعزيز موقع إسرائيل حيال خصومها وقضاياهم العادلة، وموقع الغزوة الكولونيالية حيال الأمة العربية. هذه حقيقة لا مراء فيها ولا جدوى من إنكارها. هذا ما يقوله المسؤولون الإسرائيليون والأميركيون عشرات المرات في اليوم الواحد. وهم محقون.
نزيد على ذلك أن الدعوات المرفوعة اليوم لتصفية المقاومة »وإعادة تدوير« حزب الله ستزداد إلحاحاً. وثمة توجهات عديدة في هذا المجال قد يكون »أفضلها«، حسب »إيكونوميست« البريطانية، دمج المقاومة بالجيش. لكن يلوح في الأفق لكل من يعرف القليل عن السياسات الأميركية الراهنة وعن السياسة الإسرائيلية أن »الحلم« الذي يراود جورج بوش وأرييل شارون هو رؤية السيد حسن نصر الله في... غوانتانامو.
هناك من كان يريد أصلاً محاسبة الحزب والثأر منه. وهناك من وضع سياسته على قاعدة منع الحزب من تعميم تجربة المقاومة ومن مد يد المساعدة للانتفاضة الفلسطينية. ويطيب لهذه الجهات أن تجد سنداً لها في لبنان والمنطقة فكيف إذا تجسّد هذا السند في هبّة سياسية شبابية ديموقراطية تداعب المخيلة الليبرالية في العالم كله.
ثمة »إرهاب فكري« في لبنان تمارسه المعارضة. إنه إرهاب يبقى، بلا شك، أقل هولاً بما لا يقاس من الإرهاب الدموي الذي يمارس ضد هذه المعارضة. غير أن ذلك لا يمنع أن هناك محاولة لفرض وجهة نظر واحدة، ولتقديم تفسير تبسيطي حتى السذاجة لما يجري. ويتعرض كل من يحاول الاحتفاظ بعقله إلى مطاردة شبيهة بمطاردة الساحرات أيام محاكم التفتيش، علماً بأن هذه المطاردة تبقى أقل ضرراً عليه من الهمجية التي يقترحها البعض أسلوباً وحيداً للسجال مع كل مخالف.
نضيف إلى ذلك أن المعارضة أكثر جاذبية اليوم. وأنها تمارس تأثيراً مغناطيسياً على قوى في الموالاة أو على قوى تحاول أن تشتق »خطاً ثالثاً«. أكثر من ذلك أن من المعيب، اليوم، أن يكون أي مواطن نزيه في صف الموالاة. ولكن، برغم ذلك كله، هناك من لا يزال يصر على رؤية الصورة الشاملة والمركبة، وهناك من لا يزال يعاند معطياً الأولوية للدفاع عن المنطقة وللدفاع عن المدافعين عنها. إن هذا التيار هو، بالتأكيد، أقلية في لبنان غير أنها أقلية راديكالية فعلاً لا تتوقف في معارضتها للسلطة البائسة في لبنان ولسلطة الوصاية وإنما تذهب إلى الأساس والجوهر، أي إلى معارضة السلطة الفعلية المحافظة والرجعية التي تسعى إلى فرض هيمنة شديدة التخلف على الكون كله.

03/05/2005