عوالم ياسر عرفات

عاش ياسر عرفات في عوالم كثيرة.
بدأ حياته النضالية في ظل الانقسام الدولي الى معسكرين، ونهوض العالم الثالث، وتقدم حركة التحرر الوطني العربية. كانت الايديولوجيا اليسارية، بتنويعاتها العديدة، تغلب على القوى الاستقلالية وبدا أن الاشتراكية هي غاية الكفاح الاستقلالي. لم يكن جزءا عضويا من هذه البيئة. غير انه التقط معنى اللحظة الفلسطينية فيها، وأسس حركة »فتح« التي سيثبت لاحقا انها على خلاف غيرها من حركات التحرر تستقبل وافدين من اليسار ولا تدفع بالجذريين من بينها الى صفوفه.
بدأ يعرف »مجده« مع تراجع الحركة القومية العربية، واشتداد عود اليمين العربي، ودخول العالم عقد الانفراج الدولي في السبعينيات.
استمر على رأس »فتح« ومنظمة التحرير الفلسطينية بعد الضربات القاسية التي أنزلت بقوى الثورة العربية في نهاية السبعينيات، وتجدد الحرب الباردة مطلع الثمانينيات، وتصدع الممانعة العربية لاسرائيل والولايات المتحدة. واخراج الثورة الفلسطينية من القاعدة اللبنانية بعد اخراجها من القاعدة الاردنية، وتأكد ان اليمين الاسرائيلي بات يهدد هيمنة الحركة العمالية ضمن الحركة الصهيونية.
ابتعد عن أرضه جغرافياً في الثمانينيات حين كانت تتجمع نذر التحول الدولي والاقليمي الكبير بانهيار المعسكر الاشتراكي، وتمفصل ذلك على الانعطافة التي أحدثتها الحرب على العراق بعد غزو الكويت. لكنه دارى هذا الابتعاد بتشجيع الانتفاضة الاولى وبإحداث اختراق في مجال انتزاع الاعتراف، وبالإيحاء الواضح بأنه اكثر استعدادا لتسوية تمثل شكلا متراجعا عن البرنامج الوطني المرحلي الذي أقر في 1974.
واكب على طريقته في التسعينيات القبول العربي بالحل السياسي، غير انه انفرد عنه في 1993 ووافق على عودة مشروطة الى ارض الوطن، وحصل ذلك في سياق تركيز الانفراد الاميركي بإدارة الازمات الاقليمية في العالم.
رسم خطا أحمر يمثل الحد الادنى من المطالب الوطنية الفلسطينية، ورفض التنازل عنه في وقت كانت اسرائيل تختار ارييل شارون لقيادتها، وتفجيرات 11 ايلول تدخل العالم في منعطف جديد، واحتلال العراق يؤكد عدوانية الانفراد الاميركي المتحالف مع التوسعية الاسرائيلية. راقب من موقع حصاره في المقاطعة (ورعى) الانتفاضة المعسكرة، كما راقب صعود التحدي الاصولي ل »فتح«.
... ثم رحل مصرا على امكانية »تحرير« بعض فلسطين بالضد من عودة الاستعمار المباشر الى المنطقة، وبالضد من انقلاب الاولويات الذي يجعل تدجين الضحايا شرطا مسبقا ليمنّ عليهم الجلاد بالقليل. هذا إن فعل.
كانت الكويت عاصمة لثورته، ثم عمان وقت كانت القاهرة عاصمة العرب، ثم بيروت مع بدايات الانهيار، ثم تونس في ظل التخلي، ثم رام الله في ظل احتمال التسوية، ثم المقاطعة في رام الله في ظل الحصار. كانت الارض تضيق تحت قدميه لكنه يعاند. وبدا لفترة انه يتحمل وحده، مع شعبه، او بعض شعبه، الاعباء المتراكمة للمشروع الصهيوني في نسخته التوسعية، وللاندفاعة الاميركية، وهما، المشروع والاندفاعة، معنيان بما يتجاوز فلسطين كثيرا.
لن نفهم عرفات جيدا الا اذا انطلقنا من الفرضية القائلة بأن الثوري في الثورة الفلسطينية ربما يكون انتهى عام 1970. فمنذ ذلك الزمن، والصراع لا يدور على الدور الاستعماري لاسرائيل بل على حجم الكيان. ليس هذا بالقليل طبعا في هذه الحالة خاصة. ولعل قيمة عرفات انه أبقى الصراع مشتعلا طيلة ثلاثة عقود ونصف عقد اخترقتها مواجهات وتسويات لا تحصى. فعل ذلك قبل ان يرحل محاطا بغموض موته، وغموض دوره، وغموض المصير الفلسطيني.
الا ان الغموض الاخير لا ينفي حقيقتين راسختين: الشعب الفلسطيني موجود بالقوة في انتظار ان يوجد بالفعل، وعرفات لاعب كبير في ذلك، بل اللاعب الكبير، والشعب الفلسطيني مدرك لحقيقة ان الانوجاد يمر في بوابة التسوية. ولعرفات مساهمة رئيسية في اضفاء هذه الواقعية على التطلب الوطني.
كان ياسر عرفات في نهاية العشرينيات بداية الثلاثينيات عندما دخل المعترك. اي انه كان فتيا. وكان، برغم ماضيه الفكري او بسببه، يملك الوعي المناسب لعمره. كان يريد تشكيل الخاص الفلسطيني في العالم العربي ومنع الآخرين من الانصراف الى هموم لا تعطي استعادة الارض المسلوبة في 48 الاولوية المطلقة.
لم تكن »فتح«، بقيادته، تخفي ان مشروعها هو »التوريط«. ولقد قيل الكثير من النقد في هذه »النظرية«. الا انها، عند التدقيق فيها، تظهر ان عرفات يبني حساباته على وجود قدر من العداء الرسمي العربي (والكثير من العداء الشعبي) لاسرائيل ما يجعل »التوريط« ممكنا. سعى الى إبقاء الشرارة التي تبقي الصراع ساخنا وتجعل الحرب باستمرار واردة. أراد قطع الطريق على برامج البناء الداخلي في الاقطار العربية، وبعضها غير مستقل. حاول تحكيم الجزء الفلسطيني بالكل العربي في ترجمة لمعنى »فلسطين قضية العرب المركزية« تغفل عن ان القضية المركزية فعلا هي وحدة العرب بعد استقلالهم وأنها تمر بالصراع مع المشاريع الاستعمارية الام، وتحاصر اسرائيل في دورها، كقاعدة متقدمة، قبل ان تطرح مصيرها ككيان.
تجدر الحقيقة القول انه، في تلك المرحلة، تلقى تأييدا هجينا من اقصى اليمين واقصى اليسار مع دعم خاص ممن لا يعترفون او لا يستطيعون المشاركة في المعركة الكبرى (إما لأنهم لا يملكون الارادة السياسية ولا المصلحة، وإما لأنهم بعيدون جغرافيا). وكان بين هؤلاء من يعادي حركة القومية العربية وقائدها جمال عبد الناصر ومن يبحث عن تغطية »جذرية« لموقعه المساوم.
عرفات لم يكن مهتما بمصادر التأييد. وعرفات الشاب لم يكن مدركا لما يطرأ على العلاقات الاميركية الاسرائيلية في الستينيات، ولا على الوضع الدولي بعد انقسام المعسكر الاشتراكي، ولا على لحظة الانتقال الاميركي الى الهجوم في افريقيا وآسيا والعالم العربي.
لقد أورثت تلك المرحلة العمل الوطني والقومي العربي احقادا مستمرة الى اليوم وذلك بالرغم من انقلاب الاوضاع. ففي تلك الايام لم يكن لعرفات ان ينافس عبد الناصر. كان الثاني صاحب المشروع الاكثر تبلورا في مواجهة الاستعمار واسرائيل. سوف »ينتظر« عرفات سنوات قبل ان تنتقل هذه الصفة اليه إنما في مضمونها الرمزي الذي لا يعوض خسارة مصر.
لا شك في ان سياسة التسخين وعرفات جزء منها الى جانب ما أسميناه أقصى اليمين، وأقصى اليسار العربيين، قدمت مبررات لمشروع اميركي اسرائيلي اصلي: التخلص من جمال عبد الناصر.
كلا، لم تحصل حرب 67 لأن اسرائيل تريد التوسع الجغرافي، حصلت تنفيذا لقرار دولي بضرب الناصرية وجاء التوسع في هذا السياق. اي ان الكيان الاسرائيلي ازداد حجما في سياق نجاح الدور الاسرائيلي في بهدلة عبد الناصر.
كان من الطبيعي ان واشنطن واسرائيل اعتبرتا ما حصل انتصارا. لقد حاولتا، بنجاح، ازاحة عقبة تشكل مصدر القلق الهائل للقيادة الصهيونية منذ اواسط الخمسينيات. ولكن المفارقة ان قوى عربية تصرفت كأن عقبة ازيحت من دربها.
لقد كانت هذه حالة الثورة الفلسطينية وبعض قواها تحديدا. نشأ انطباع يقول ان المجال بات مفتوحا لتجذير المعركة، لنقلها من قيادة رسمية الى قيادة شعبية، من الجيوش النظامية الى الكفاح المسلح الخ... غير ان الكثيرين تصرفوا باعتبار ان العقبة إنما أزيحت من درب القوى اليمينية العربية (الاسلام السياسي في ذلك الوقت جزء من هذه القوى). ادرك اليمين العربي ان برنامج التغيير الداخلي اهتز، وأن »الحليف« الاميركي بات في موقع اقوى، وأن انكسار القيادة الناصرية سيرغمها على تسويات داخلية وخارجية. شهدنا بعد عدوان 67 وحصيلته المدوية هجوما يمينيا محافظا عربيا على الناصرية كان اليسار العربي الجديد، المتشكل حول الثورة الفلسطينية والمستلهم فورات اخرى في العالم، ومن دون ارادة منه، او وعي، أداة من أدواته.
كان ذلك تطبيقا لمقولة رائجة تقول ان حركات شعبية مسؤولة، مثل الناصرية، لا تؤخذ إلا من على يسارها وباسم شعارات اكثر راديكالية منها.
تشكل المرحلة بين 67 و70 حقبة معقدة وقابلة لتأويلات.
انصرف عبد الناصر المهزوم الى بناء الجيش المصري وإيقاف مصر على رجليها. واضطر، في سبيل ذلك، الى الاحتماء بالقرارات الدولية وصولا الى مبادرة روجرز. ادرك ان عليه تعزيز المكوّن الفلسطيني الذي كان في ذلك الوقت يتلقى ايضا دعم اليمين العربي المتهرب، بهذه الجذرية الشكلية، من تحمل الاعباء المكلفة، سياسيا وماديا، لمساعدة عبد الناصر في التحضير لمعركة محو آثار العدوان.
عاش عرفات لحظة تقاطع نادرة في دعمين موجهين نحوه من مواقع متباينة. وعاش ايضا تعلقا شعبيا عربيا ب»الفدائي« المقاوم الذي ينير شمعة في الظلام الدامس. وجاءت معركة الكرامة في 68 لتوحي ان هذه الشمعة قابلة لأن تتحول الى نور يعم المنطقة. لا شك في أنها دفعت الثورة الفلسطينية الى المقدمة، ولا شك في أنها كانت حاجة سيكولوجية، ولكن لا شك ايضا في أنها أثارت الالتباس حول الفرق بين الصمود في وجه وحدة عسكرية تعمل خارج »ارضها« وبين العدة المطلوب اعدادها من اجل فرض التراجع على اسرائيل. ان حرب الاستنزاف، بهذا المعنى اهم من معركة الكرامة بدلالاتها ومعانيها وتشكيلها حلقة ربط بين هزيمة مؤكدة ومعركة موعودة.
قلنا إن عبد الناصر قرر تعزيز المكون الفلسطيني مرموزا اليه بياسر عرفات المنتقل الى قيادة منظمة التحرير. لقد سخر دبلوماسيته ووزنه في سبيل ذلك محولا الحركة الوطنية الفلسطينية الى جزء اساسي من استراتيجيته. غير ان هذا التعزيز، المحسوب والخاضع لاعتبارات كثيرة، تجلى في أمرين:
اولا لقد تدخل عبد الناصر لرعاية »اتفاق القاهرة« (1969) بين السلطة اللبنانية والمقاومة. ولعل هذه مناسبة للقول ان كل المزاعم عن دور هذا الاتفاق في التأسيس لانهيار لاحق للدولة اللبنانية باطلة. فالاتفاق، في المنظور الناصري، مؤقت الى حين تجهز مصر للحرب. وهو انقاذ للبنان من التشرذم الذي تقود اليه تناقضات داخلية سعّرها الحياد السابق في الصراع مع اسرائيل. كلا، ليس الاتفاق احالة لأعباء المعركة الى الفلسطينيين واللبنانيين، انه حماية لمشروع مشاغلة اسرائيل بواسطة »الاشقاء الصغار« الى ان يحضر »الشقيق الأكبر«. انه جزء من حرب الاستنزاف. وهو، قطعا، ليس رميا للمسؤولية مفتوح الأفق (وإن كان تحول الى ذلك لسبب خارج عن ادارة راعيه، الوفاة). »اتفاق القاهرة« صيغة لانقاذ الوحدة اللبنانية، والتنسيق مع الفلسطينيين، وتحميل اللبنانيين، استدراكا، بعض أعباء المعركة القومية.
ثانيا تطويق نتائج »ايلول الاسود« في الاردن. هنا، ايضا، كان عبد الناصر مهتما بحماية المقاومة واحترام »السيادة الوطنية« الاردنية. ولقد فعل ذلك بالرغم من الانشقاق الفلسطيني الناصري، وبالرغم من التهجم عليه والتشهير به. في تلك الايام صيغت العبارة الشهيرة: اذا كان عبد الناصر مع مبادرة روجرز فإن كثيرين من مهاجميه العرب مع... روجرز!
تثبت الحالتان اللبنانية والاردنية ان ناصر كان، بعد الهزيمة، الزعيم العربي الاكثر وزنا. ولقد كان كذلك لأن الجماهير العربية، في غالبيتها الساحقة، لم تضع البوصلة واستمرت تدرك ان الرجل لم يقل كلمته بعد، وأنه جدي في سعيه لاستئناف المواجهة. ولقد تأكد ذلك عند وفاته. هذه الوفاة التي فتحت الباب امام استكمال تصفية الوجود الفدائي في الاردن وأمام بدء التأسيس للحروب الاهلية اللبنانية بعد تحول »اتفاق القاهرة« من محطة محمية عربيا الى ذريعة يستخدمها الراغبون في الانقضاض على المقاومة الفلسطينية.
اللحظة التي افتتحتها وفاة جمال عبد الناصر هي، بالضبط، اللحظة التي شهدت انقلابا في دور ياسر عرفات ووظيفة العرفاتية. لقد شرعت موازين القوى تنهار بحيث انتقل من لم يكن يمثل أرقى مشاريع المواجهة الى موقع في المقدمة. لكن ذلك حصل عند افتقاد القاعدة العربية لمشروع النهوض، وعند افتقاد القاعدة الاردنية لمشروع المقاومة الفلسطينية لاسرائيل.
كان عرفات جزءا موضوعيا من مشروع نهوض فبات عليه ان يقود حركة وطنية تسبح ضد التيار. ولقد فعل ذلك على امتداد حوالى 35 عاما.
مع ان عقد السبعينيات شهد حرب تشرين التي حرم الفلسطينيون من المشاركة فيها، فإنه يتميز، في ما يخص منظمة التحرير، باندلاع الحروب الاهلية في لبنان. يقال الكثير في هذه الحروب، الا انه يمكن الاكتفاء بملاحظتين:
الاولى، خلال هذا العقد سار الوضع العربي الاجمالي في اتجاه معاكس للوضع الدولي. افتتح بانعطاف الرئيس انور السادات واختتم بالمعاهدة المصرية الاسرائيلية. وما بين الحدين لعب المال النفطي دورا مؤثرا في صياغة السياسة والثقافة. وفي الوقت نفسه كانت ثورات وطنية تتقدم في قارات العالم كله من اميركا اللاتينية، الى آسيا، الى افريقيا. لقد تعزز الوضع الدولي للمعسكر الاشتراكي (اتفاقية هلسنكي) وساهم دعمه لحركات تحرر في توسيع نفوذه بالاستفادة من »الانفراج الدولي«. حصل ذلك في كل مكان تقريبا إلا في الوطن العربي حيث كانت السياسة الكيسنجرية تحقق الانجاز تلو الانجاز وتشجع على محاولة اجتثاث الثورة الفلسطينية في لبنان.
الثانية، خلال هذا العقد، ايضا، شهدنا التجربة الفلسطينية اللبنانية للسير في عكس اتجاه الوضع العربي.
لقد بدا أن ما يجري في لبنان جزء من حركة ثورية عالمية، لكنه محروم من اي احتضان عربي. ومع اهمية هذه التجربة تدافعت العقائد العنيدة لتذكر الجميع بأن كمال جنبلاط، على اهميته الفائقة، لا يمكن ان يكون بديلا عن عبد الناصر وان لبنان لا يمكنه ان يكون بديلا عن مصر العربية.
الاندفاعة الفائضة عن قدرة الوضع العربي على الاحتمال بدت وكأنها هروب الى الامام تدخل هذا الوضع العربي لضبطه. فعل ذلك قبل ان ينشق نتيجة »زيارة القدس« وقبل ان تستفيد اسرائيل من هذا الانقلاب لتنفيذ غزوتها الاولى عام 1978 وقبل ان تكتمل الشروط للغزو الكبير عام 1982، وهو غزو لا يفهم الا بتجدد الحرب الباردة مع رونالد ريغان، والاطمئنان الى خروج مصر، وعودة اليمين الاسرائيلي الى السلطة بما يثبت ان فوزه عام 1977 لم يكن مجرد سحابة صيف.
قاد عرفات المقاومة في بيروت، ثم قاد الخروج الى المنفى البعيد في تونس، قبل ان يعود الى طرابلس ثم يضطر الى مغادرتها. وبخروج قوات الثورة من لبنان انفك »الطوق« الفلسطيني من حول اسرائيل. قاد عرفات في هذه المرحلة وصولا الى 1993 سياسات متعارضة في الشكل. اقدم على مصالحة مصر والاردن ووظف ذلك في سبيل تجديد العمل المسلح في الارض المحتلة. دعم الانتفاضة الاولى معلنا بدء تحول مركز الثقل الى الداخل. خاض تجربة حوار غير مثمر مع الادارة الاميركية. شرع يعد لمراجعة شروط التسوية عبر تعاط جديد مع القرارات الدولية. لم يتردد بالاستقواء بالعراق وخاصة مع انتهاء الحرب مع ايران، وبروز بغداد كنقطة استقطاب اقليمية.
لم تنجح هذه السياسات. اصطدمت الانتفاضة بسقف ما يستطيعه الفلسطينيون منفردين. انكفأ الاميركيون عن الحوار. تعرض صدام حسين الى هزيمة. انهار المعسكر الاشتراكي. بات الحديث عن حركة تحرر عربي ممجوجا. حوصر الفلسطينيون من الجهات كلها وبدا ان رؤوسهم أينعت. ولم يكن عرب التحالف مع واشنطن في حرب الكويت ممانعين في قطف هذه الرؤوس، خاصة بعد انعقاد مؤتمر مدريد وترك منظمة التحرير في غرفة الانتظار.
في مثل هذه الشروط اتخذ ياسر عرفات واحدا من اصعب قرارات حياته على الاطلاق. كانت حساباته بسيطة حتى النهاية: لا افق لأن تكون الثورة الفلسطينية جزءا من حركة شعبية عربية (الثانية غير موجودة)، ولا أمل في ان تكون المنظمة جزءا من العمل الرسمي العربي التفاوضي. لقد انتهت المقاومة العربية الرسمية للدور الاستعماري الاسرائيلي تحت وهم ان الانظمة توجهت نحو الاصيل لتغنيه عن حاجته الى الوكيل.
لم يعد الصراع، وهذه مبالغة بعض الشيء، يدور الا حول حدود الكيان الاسرائيلي، وهو مرشح لان يستبعد الفلسطينيين اي المتضررين الاوائل من نشوء هذا الكيان ومن توسعه لاحقا في حرب ضد انظمة عربية.
أدرك عرفات انه يملك الورقة السحرية التي تجعله رقما صعبا: لا تسوية في المنطقة من دون حل المشكلة الفلسطينية ومفتاح الحل في يده. قرر، في هذا الجو، الاقدام على القفزة في المجهول الى داخل أشداق الوحش. أعرب عن جهوزية لتحرير اسرائيل من متاعب الاحتلال، وأوحى انه طرف في تثبيت السيطرة الاميركية على المنطقة بمجرد ان يسهل تحويل واشنطن الى قابلة الدولة الفلسطينية. لعب حتى النهاية ورقة القطرية الفلسطينية (القرار الوطني المستقل) في وجهها السلبي حيال العرب، وباعتبارها الورقة الوحيدة التي تركها العرب له. واكثر من اللغط حول انتصارات الانتفاضة الاولى من اجل ان يبرر ما لم يصدر التاريخ حكمه عليه حتى الآن: اتفاق اوسلو.
يمثل الاتفاق المذكور انتقال عرفات الى التموضع في الهامش الضيق لتناقضات غير تناحرية: بين اميركا واسرائيل، بين: »الليكود« »والعمل«، بين مصر واسرائيل، بين اوروبا واميركا...
كانت السياسة الرسمية العربية تتحدث عن »الارض مقابل السلام«، لكن ذلك كان يعني في الواقع عرض استسلام سياسي على الولايات المتحدة يعبر عن انتصار الدور الاسرائيلي على النهوض القومي العربي مقابل تدفيع اسرائيل ثمنا هو الارض العربية المحتلة (او القسم الاكبر منها) بما يعبر عن ضبط توسعية الكيان الاسرائيلي. اي ان السياسة العربية كانت: الدور مقابل الكيان. تدفع اسرائيل من بعض التمدد وتحصّل اميركا استتباب النفوذ والهيمنة.
تقضي الحقيقة القول بأن عرفات لم يكن يمانع في ذلك (لم يكن ثمة مجال، ربما، لممانعة مثمرة). جاءت الممانعة من الطرف الاسرائيلي اساسا ثم من الطرف الاميركي. فالفهم البارد للتسويات الاستراتيجية لا يقيم وزنا كبيرا لطرف يحضر، وكل عدته التفاوضية حقوقه المشروعة غير القابلة للتصرف. اضف الى ذلك ان نوع العلاقة الاسرائيلية الاميركية يجيز للطرف الاول ان يحتفظ بمكاسب مهمة بالنسبة اليه في لحظة اهدائه رأس النهوض القومي العربي الى الطرف الثاني.
اضطر عرفات الى الانتقال الى موقع جديد بعد ان اظهرت التناقضات غير التناحرية انها لا تؤمن له حلا يرضيه. اندفع الى التمترس في خندق الاصرار على »تسوية عادلة« معدومة شروط التنفيذ. انه موقع ارادوي بامتياز. لعل افضل تعبير عنه ان عرفات كان يبدو سعيدا في الحصار الذي ضرب عليه في المقاطعة: لا حل معي إذاً لا حل بدوني، اي بدون الحد الادنى الوطني الذي أمثل.
كان من الغرفتين المتبقيتين له يراقب انسداد الافق امام الفلسطينيين الذين يريدون الاقلاع بإدارة الظهر له، وانسداد الافق امام فلسطينيي العمليات الاستشهادية. لقد فرض حصارا على التسوية، حصارا يزعج الراغبين فيها من فلسطينيين واسرائيليين وقوى عربية ودولية من دون ان يسبب الانزعاج نفسه لمن لا يهتم لأمرها.
وجاءت تفجيرات ايلول ونتائجها، الحقيقية او المفتعلة، لتدخل معطى جديدا: لم يعد الفائض الاحتلالي الاسرائيلي هو المشكلة وإنما النقص الديموقراطي الفلسطيني. هذه كذبة توازي في ضخامتها كذبة اسلحة الدمار الشامل في العراق سوى أننا لا نملك مفتشين دوليين للتأكد من الأمر. لم يكن ممكنا اعادة ايقاف الحقائق على أرجلها إلا بمسار طويل وشاق وغير مضمون النتائج. انه المسار الذي يفتتحه غياب عرفات والذي يبقى افقه، في أحسن الاحوال، غامضا.
من الظلم محاسبة عرفات على أفكاره. لقد كانت بسيطة. لكن ذلك لا يمنع »العرفاتية« من ان تكون، مثل حركة »فتح«، ومثل الحركة الوطنية الفلسطينية كلها شديدة التعقيد والالتباس، خاصة اذا نظرنا اليها في سياق التطورات العاصفة التي شهدتها الامة العربية خلال نصف قرن.
عاش ياسر عرفات في عوالم كثيرة. بدأ حياته النضالية في ظل الانقسام الدولي الى معسكرين، ونهوض العالم الثالث، وتقدم حركة التحرر الوطني العربية. كانت الايديولوجيا اليسارية، بتنويعاتها العديدة، تغلب على القوى الاستقلالية وبدا أن الاشتراكية هي غاية الكفاح الاستقلالي. لم يكن جزءا عضويا من هذه البيئة. غير انه التقط معنى اللحظة الفلسطينية فيها، وأسس حركة »فتح« التي سيثبت لاحقا انها على خلاف غيرها من حركات التحرر تستقبل وافدين من اليسار ولا تدفع بالجذريين من بينها الى صفوفه. بدأ يعرف »مجده« مع تراجع الحركة القومية العربية، واشتداد عود اليمين العربي، ودخول العالم عقد الانفراج الدولي في السبعينيات. استمر على رأس »فتح« ومنظمة التحرير الفلسطينية بعد الضربات القاسية التي أنزلت بقوى الثورة العربية في نهاية السبعينيات، وتجدد الحرب الباردة مطلع الثمانينيات، وتصدع الممانعة العربية لاسرائيل والولايات المتحدة. واخراج الثورة الفلسطينية من القاعدة اللبنانية بعد اخراجها من القاعدة الاردنية، وتأكد ان اليمين الاسرائيلي بات يهدد هيمنة الحركة العمالية ضمن الحركة الصهيونية. ابتعد عن أرضه جغرافياً في الثمانينيات حين كانت تتجمع نذر التحول الدولي والاقليمي الكبير بانهيار المعسكر الاشتراكي، وتمفصل ذلك على الانعطافة التي أحدثتها الحرب على العراق بعد غزو الكويت. لكنه دارى هذا الابتعاد بتشجيع الانتفاضة الاولى وبإحداث اختراق في مجال انتزاع الاعتراف، وبالإيحاء الواضح بأنه اكثر استعدادا لتسوية تمثل شكلا متراجعا عن البرنامج الوطني المرحلي الذي أقر في 1974. واكب على طريقته في التسعينيات القبول العربي بالحل السياسي، غير انه انفرد عنه في 1993 ووافق على عودة مشروطة الى ارض الوطن، وحصل ذلك في سياق تركيز الانفراد الاميركي بإدارة الازمات الاقليمية في العالم. رسم خطا أحمر يمثل الحد الادنى من المطالب الوطنية الفلسطينية، ورفض التنازل عنه في وقت كانت اسرائيل تختار ارييل شارون لقيادتها، وتفجيرات 11 ايلول تدخل العالم في منعطف جديد، واحتلال العراق يؤكد عدوانية الانفراد الاميركي المتحالف مع التوسعية الاسرائيلية. راقب من موقع حصاره في المقاطعة (ورعى) الانتفاضة المعسكرة، كما راقب صعود التحدي الاصولي ل »فتح«. ... ثم رحل مصرا على امكانية »تحرير« بعض فلسطين بالضد من عودة الاستعمار المباشر الى المنطقة، وبالضد من انقلاب الاولويات الذي يجعل تدجين الضحايا شرطا مسبقا ليمنّ عليهم الجلاد بالقليل. هذا إن فعل. كانت الكويت عاصمة لثورته، ثم عمان وقت كانت القاهرة عاصمة العرب، ثم بيروت مع بدايات الانهيار، ثم تونس في ظل التخلي، ثم رام الله في ظل احتمال التسوية، ثم المقاطعة في رام الله في ظل الحصار. كانت الارض تضيق تحت قدميه لكنه يعاند. وبدا لفترة انه يتحمل وحده، مع شعبه، او بعض شعبه، الاعباء المتراكمة للمشروع الصهيوني في نسخته التوسعية، وللاندفاعة الاميركية، وهما، المشروع والاندفاعة، معنيان بما يتجاوز فلسطين كثيرا. لن نفهم عرفات جيدا الا اذا انطلقنا من الفرضية القائلة بأن الثوري في الثورة الفلسطينية ربما يكون انتهى عام 1970. فمنذ ذلك الزمن، والصراع لا يدور على الدور الاستعماري لاسرائيل بل على حجم الكيان. ليس هذا بالقليل طبعا في هذه الحالة خاصة. ولعل قيمة عرفات انه أبقى الصراع مشتعلا طيلة ثلاثة عقود ونصف عقد اخترقتها مواجهات وتسويات لا تحصى. فعل ذلك قبل ان يرحل محاطا بغموض موته، وغموض دوره، وغموض المصير الفلسطيني. الا ان الغموض الاخير لا ينفي حقيقتين راسختين: الشعب الفلسطيني موجود بالقوة في انتظار ان يوجد بالفعل، وعرفات لاعب كبير في ذلك، بل اللاعب الكبير، والشعب الفلسطيني مدرك لحقيقة ان الانوجاد يمر في بوابة التسوية. ولعرفات مساهمة رئيسية في اضفاء هذه الواقعية على التطلب الوطني. كان ياسر عرفات في نهاية العشرينيات بداية الثلاثينيات عندما دخل المعترك. اي انه كان فتيا. وكان، برغم ماضيه الفكري او بسببه، يملك الوعي المناسب لعمره. كان يريد تشكيل الخاص الفلسطيني في العالم العربي ومنع الآخرين من الانصراف الى هموم لا تعطي استعادة الارض المسلوبة في 48 الاولوية المطلقة. لم تكن »فتح«، بقيادته، تخفي ان مشروعها هو »التوريط«. ولقد قيل الكثير من النقد في هذه »النظرية«. الا انها، عند التدقيق فيها، تظهر ان عرفات يبني حساباته على وجود قدر من العداء الرسمي العربي (والكثير من العداء الشعبي) لاسرائيل ما يجعل »التوريط« ممكنا. سعى الى إبقاء الشرارة التي تبقي الصراع ساخنا وتجعل الحرب باستمرار واردة. أراد قطع الطريق على برامج البناء الداخلي في الاقطار العربية، وبعضها غير مستقل. حاول تحكيم الجزء الفلسطيني بالكل العربي في ترجمة لمعنى »فلسطين قضية العرب المركزية« تغفل عن ان القضية المركزية فعلا هي وحدة العرب بعد استقلالهم وأنها تمر بالصراع مع المشاريع الاستعمارية الام، وتحاصر اسرائيل في دورها، كقاعدة متقدمة، قبل ان تطرح مصيرها ككيان. تجدر الحقيقة القول انه، في تلك المرحلة، تلقى تأييدا هجينا من اقصى اليمين واقصى اليسار مع دعم خاص ممن لا يعترفون او لا يستطيعون المشاركة في المعركة الكبرى (إما لأنهم لا يملكون الارادة السياسية ولا المصلحة، وإما لأنهم بعيدون جغرافيا). وكان بين هؤلاء من يعادي حركة القومية العربية وقائدها جمال عبد الناصر ومن يبحث عن تغطية »جذرية« لموقعه المساوم. عرفات لم يكن مهتما بمصادر التأييد. وعرفات الشاب لم يكن مدركا لما يطرأ على العلاقات الاميركية الاسرائيلية في الستينيات، ولا على الوضع الدولي بعد انقسام المعسكر الاشتراكي، ولا على لحظة الانتقال الاميركي الى الهجوم في افريقيا وآسيا والعالم العربي. لقد أورثت تلك المرحلة العمل الوطني والقومي العربي احقادا مستمرة الى اليوم وذلك بالرغم من انقلاب الاوضاع. ففي تلك الايام لم يكن لعرفات ان ينافس عبد الناصر. كان الثاني صاحب المشروع الاكثر تبلورا في مواجهة الاستعمار واسرائيل. سوف »ينتظر« عرفات سنوات قبل ان تنتقل هذه الصفة اليه إنما في مضمونها الرمزي الذي لا يعوض خسارة مصر. لا شك في ان سياسة التسخين وعرفات جزء منها الى جانب ما أسميناه أقصى اليمين، وأقصى اليسار العربيين، قدمت مبررات لمشروع اميركي اسرائيلي اصلي: التخلص من جمال عبد الناصر. كلا، لم تحصل حرب 67 لأن اسرائيل تريد التوسع الجغرافي، حصلت تنفيذا لقرار دولي بضرب الناصرية وجاء التوسع في هذا السياق. اي ان الكيان الاسرائيلي ازداد حجما في سياق نجاح الدور الاسرائيلي في بهدلة عبد الناصر. كان من الطبيعي ان واشنطن واسرائيل اعتبرتا ما حصل انتصارا. لقد حاولتا، بنجاح، ازاحة عقبة تشكل مصدر القلق الهائل للقيادة الصهيونية منذ اواسط الخمسينيات. ولكن المفارقة ان قوى عربية تصرفت كأن عقبة ازيحت من دربها. لقد كانت هذه حالة الثورة الفلسطينية وبعض قواها تحديدا. نشأ انطباع يقول ان المجال بات مفتوحا لتجذير المعركة، لنقلها من قيادة رسمية الى قيادة شعبية، من الجيوش النظامية الى الكفاح المسلح الخ... غير ان الكثيرين تصرفوا باعتبار ان العقبة إنما أزيحت من درب القوى اليمينية العربية (الاسلام السياسي في ذلك الوقت جزء من هذه القوى). ادرك اليمين العربي ان برنامج التغيير الداخلي اهتز، وأن »الحليف« الاميركي بات في موقع اقوى، وأن انكسار القيادة الناصرية سيرغمها على تسويات داخلية وخارجية. شهدنا بعد عدوان 67 وحصيلته المدوية هجوما يمينيا محافظا عربيا على الناصرية كان اليسار العربي الجديد، المتشكل حول الثورة الفلسطينية والمستلهم فورات اخرى في العالم، ومن دون ارادة منه، او وعي، أداة من أدواته. كان ذلك تطبيقا لمقولة رائجة تقول ان حركات شعبية مسؤولة، مثل الناصرية، لا تؤخذ إلا من على يسارها وباسم شعارات اكثر راديكالية منها. تشكل المرحلة بين 67 و70 حقبة معقدة وقابلة لتأويلات. انصرف عبد الناصر المهزوم الى بناء الجيش المصري وإيقاف مصر على رجليها. واضطر، في سبيل ذلك، الى الاحتماء بالقرارات الدولية وصولا الى مبادرة روجرز. ادرك ان عليه تعزيز المكوّن الفلسطيني الذي كان في ذلك الوقت يتلقى ايضا دعم اليمين العربي المتهرب، بهذه الجذرية الشكلية، من تحمل الاعباء المكلفة، سياسيا وماديا، لمساعدة عبد الناصر في التحضير لمعركة محو آثار العدوان. عاش عرفات لحظة تقاطع نادرة في دعمين موجهين نحوه من مواقع متباينة. وعاش ايضا تعلقا شعبيا عربيا ب»الفدائي« المقاوم الذي ينير شمعة في الظلام الدامس. وجاءت معركة الكرامة في 68 لتوحي ان هذه الشمعة قابلة لأن تتحول الى نور يعم المنطقة. لا شك في أنها دفعت الثورة الفلسطينية الى المقدمة، ولا شك في أنها كانت حاجة سيكولوجية، ولكن لا شك ايضا في أنها أثارت الالتباس حول الفرق بين الصمود في وجه وحدة عسكرية تعمل خارج »ارضها« وبين العدة المطلوب اعدادها من اجل فرض التراجع على اسرائيل. ان حرب الاستنزاف، بهذا المعنى اهم من معركة الكرامة بدلالاتها ومعانيها وتشكيلها حلقة ربط بين هزيمة مؤكدة ومعركة موعودة. قلنا إن عبد الناصر قرر تعزيز المكون الفلسطيني مرموزا اليه بياسر عرفات المنتقل الى قيادة منظمة التحرير. لقد سخر دبلوماسيته ووزنه في سبيل ذلك محولا الحركة الوطنية الفلسطينية الى جزء اساسي من استراتيجيته. غير ان هذا التعزيز، المحسوب والخاضع لاعتبارات كثيرة، تجلى في أمرين: اولا لقد تدخل عبد الناصر لرعاية »اتفاق القاهرة« (1969) بين السلطة اللبنانية والمقاومة. ولعل هذه مناسبة للقول ان كل المزاعم عن دور هذا الاتفاق في التأسيس لانهيار لاحق للدولة اللبنانية باطلة. فالاتفاق، في المنظور الناصري، مؤقت الى حين تجهز مصر للحرب. وهو انقاذ للبنان من التشرذم الذي تقود اليه تناقضات داخلية سعّرها الحياد السابق في الصراع مع اسرائيل. كلا، ليس الاتفاق احالة لأعباء المعركة الى الفلسطينيين واللبنانيين، انه حماية لمشروع مشاغلة اسرائيل بواسطة »الاشقاء الصغار« الى ان يحضر »الشقيق الأكبر«. انه جزء من حرب الاستنزاف. وهو، قطعا، ليس رميا للمسؤولية مفتوح الأفق (وإن كان تحول الى ذلك لسبب خارج عن ادارة راعيه، الوفاة). »اتفاق القاهرة« صيغة لانقاذ الوحدة اللبنانية، والتنسيق مع الفلسطينيين، وتحميل اللبنانيين، استدراكا، بعض أعباء المعركة القومية. ثانيا تطويق نتائج »ايلول الاسود« في الاردن. هنا، ايضا، كان عبد الناصر مهتما بحماية المقاومة واحترام »السيادة الوطنية« الاردنية. ولقد فعل ذلك بالرغم من الانشقاق الفلسطيني الناصري، وبالرغم من التهجم عليه والتشهير به. في تلك الايام صيغت العبارة الشهيرة: اذا كان عبد الناصر مع مبادرة روجرز فإن كثيرين من مهاجميه العرب مع... روجرز! تثبت الحالتان اللبنانية والاردنية ان ناصر كان، بعد الهزيمة، الزعيم العربي الاكثر وزنا. ولقد كان كذلك لأن الجماهير العربية، في غالبيتها الساحقة، لم تضع البوصلة واستمرت تدرك ان الرجل لم يقل كلمته بعد، وأنه جدي في سعيه لاستئناف المواجهة. ولقد تأكد ذلك عند وفاته. هذه الوفاة التي فتحت الباب امام استكمال تصفية الوجود الفدائي في الاردن وأمام بدء التأسيس للحروب الاهلية اللبنانية بعد تحول »اتفاق القاهرة« من محطة محمية عربيا الى ذريعة يستخدمها الراغبون في الانقضاض على المقاومة الفلسطينية. اللحظة التي افتتحتها وفاة جمال عبد الناصر هي، بالضبط، اللحظة التي شهدت انقلابا في دور ياسر عرفات ووظيفة العرفاتية. لقد شرعت موازين القوى تنهار بحيث انتقل من لم يكن يمثل أرقى مشاريع المواجهة الى موقع في المقدمة. لكن ذلك حصل عند افتقاد القاعدة العربية لمشروع النهوض، وعند افتقاد القاعدة الاردنية لمشروع المقاومة الفلسطينية لاسرائيل. كان عرفات جزءا موضوعيا من مشروع نهوض فبات عليه ان يقود حركة وطنية تسبح ضد التيار. ولقد فعل ذلك على امتداد حوالى 35 عاما. مع ان عقد السبعينيات شهد حرب تشرين التي حرم الفلسطينيون من المشاركة فيها، فإنه يتميز، في ما يخص منظمة التحرير، باندلاع الحروب الاهلية في لبنان. يقال الكثير في هذه الحروب، الا انه يمكن الاكتفاء بملاحظتين: الاولى، خلال هذا العقد سار الوضع العربي الاجمالي في اتجاه معاكس للوضع الدولي. افتتح بانعطاف الرئيس انور السادات واختتم بالمعاهدة المصرية الاسرائيلية. وما بين الحدين لعب المال النفطي دورا مؤثرا في صياغة السياسة والثقافة. وفي الوقت نفسه كانت ثورات وطنية تتقدم في قارات العالم كله من اميركا اللاتينية، الى آسيا، الى افريقيا. لقد تعزز الوضع الدولي للمعسكر الاشتراكي (اتفاقية هلسنكي) وساهم دعمه لحركات تحرر في توسيع نفوذه بالاستفادة من »الانفراج الدولي«. حصل ذلك في كل مكان تقريبا إلا في الوطن العربي حيث كانت السياسة الكيسنجرية تحقق الانجاز تلو الانجاز وتشجع على محاولة اجتثاث الثورة الفلسطينية في لبنان. الثانية، خلال هذا العقد، ايضا، شهدنا التجربة الفلسطينية اللبنانية للسير في عكس اتجاه الوضع العربي. لقد بدا أن ما يجري في لبنان جزء من حركة ثورية عالمية، لكنه محروم من اي احتضان عربي. ومع اهمية هذه التجربة تدافعت العقائد العنيدة لتذكر الجميع بأن كمال جنبلاط، على اهميته الفائقة، لا يمكن ان يكون بديلا عن عبد الناصر وان لبنان لا يمكنه ان يكون بديلا عن مصر العربية. الاندفاعة الفائضة عن قدرة الوضع العربي على الاحتمال بدت وكأنها هروب الى الامام تدخل هذا الوضع العربي لضبطه. فعل ذلك قبل ان ينشق نتيجة »زيارة القدس« وقبل ان تستفيد اسرائيل من هذا الانقلاب لتنفيذ غزوتها الاولى عام 1978 وقبل ان تكتمل الشروط للغزو الكبير عام 1982، وهو غزو لا يفهم الا بتجدد الحرب الباردة مع رونالد ريغان، والاطمئنان الى خروج مصر، وعودة اليمين الاسرائيلي الى السلطة بما يثبت ان فوزه عام 1977 لم يكن مجرد سحابة صيف. قاد عرفات المقاومة في بيروت، ثم قاد الخروج الى المنفى البعيد في تونس، قبل ان يعود الى طرابلس ثم يضطر الى مغادرتها. وبخروج قوات الثورة من لبنان انفك »الطوق« الفلسطيني من حول اسرائيل. قاد عرفات في هذه المرحلة وصولا الى 1993 سياسات متعارضة في الشكل. اقدم على مصالحة مصر والاردن ووظف ذلك في سبيل تجديد العمل المسلح في الارض المحتلة. دعم الانتفاضة الاولى معلنا بدء تحول مركز الثقل الى الداخل. خاض تجربة حوار غير مثمر مع الادارة الاميركية. شرع يعد لمراجعة شروط التسوية عبر تعاط جديد مع القرارات الدولية. لم يتردد بالاستقواء بالعراق وخاصة مع انتهاء الحرب مع ايران، وبروز بغداد كنقطة استقطاب اقليمية. لم تنجح هذه السياسات. اصطدمت الانتفاضة بسقف ما يستطيعه الفلسطينيون منفردين. انكفأ الاميركيون عن الحوار. تعرض صدام حسين الى هزيمة. انهار المعسكر الاشتراكي. بات الحديث عن حركة تحرر عربي ممجوجا. حوصر الفلسطينيون من الجهات كلها وبدا ان رؤوسهم أينعت. ولم يكن عرب التحالف مع واشنطن في حرب الكويت ممانعين في قطف هذه الرؤوس، خاصة بعد انعقاد مؤتمر مدريد وترك منظمة التحرير في غرفة الانتظار. في مثل هذه الشروط اتخذ ياسر عرفات واحدا من اصعب قرارات حياته على الاطلاق. كانت حساباته بسيطة حتى النهاية: لا افق لأن تكون الثورة الفلسطينية جزءا من حركة شعبية عربية (الثانية غير موجودة)، ولا أمل في ان تكون المنظمة جزءا من العمل الرسمي العربي التفاوضي. لقد انتهت المقاومة العربية الرسمية للدور الاستعماري الاسرائيلي تحت وهم ان الانظمة توجهت نحو الاصيل لتغنيه عن حاجته الى الوكيل. لم يعد الصراع، وهذه مبالغة بعض الشيء، يدور الا حول حدود الكيان الاسرائيلي، وهو مرشح لان يستبعد الفلسطينيين اي المتضررين الاوائل من نشوء هذا الكيان ومن توسعه لاحقا في حرب ضد انظمة عربية. أدرك عرفات انه يملك الورقة السحرية التي تجعله رقما صعبا: لا تسوية في المنطقة من دون حل المشكلة الفلسطينية ومفتاح الحل في يده. قرر، في هذا الجو، الاقدام على القفزة في المجهول الى داخل أشداق الوحش. أعرب عن جهوزية لتحرير اسرائيل من متاعب الاحتلال، وأوحى انه طرف في تثبيت السيطرة الاميركية على المنطقة بمجرد ان يسهل تحويل واشنطن الى قابلة الدولة الفلسطينية. لعب حتى النهاية ورقة القطرية الفلسطينية (القرار الوطني المستقل) في وجهها السلبي حيال العرب، وباعتبارها الورقة الوحيدة التي تركها العرب له. واكثر من اللغط حول انتصارات الانتفاضة الاولى من اجل ان يبرر ما لم يصدر التاريخ حكمه عليه حتى الآن: اتفاق اوسلو. يمثل الاتفاق المذكور انتقال عرفات الى التموضع في الهامش الضيق لتناقضات غير تناحرية: بين اميركا واسرائيل، بين: »الليكود« »والعمل«، بين مصر واسرائيل، بين اوروبا واميركا... كانت السياسة الرسمية العربية تتحدث عن »الارض مقابل السلام«، لكن ذلك كان يعني في الواقع عرض استسلام سياسي على الولايات المتحدة يعبر عن انتصار الدور الاسرائيلي على النهوض القومي العربي مقابل تدفيع اسرائيل ثمنا هو الارض العربية المحتلة (او القسم الاكبر منها) بما يعبر عن ضبط توسعية الكيان الاسرائيلي. اي ان السياسة العربية كانت: الدور مقابل الكيان. تدفع اسرائيل من بعض التمدد وتحصّل اميركا استتباب النفوذ والهيمنة. تقضي الحقيقة القول بأن عرفات لم يكن يمانع في ذلك (لم يكن ثمة مجال، ربما، لممانعة مثمرة). جاءت الممانعة من الطرف الاسرائيلي اساسا ثم من الطرف الاميركي. فالفهم البارد للتسويات الاستراتيجية لا يقيم وزنا كبيرا لطرف يحضر، وكل عدته التفاوضية حقوقه المشروعة غير القابلة للتصرف. اضف الى ذلك ان نوع العلاقة الاسرائيلية الاميركية يجيز للطرف الاول ان يحتفظ بمكاسب مهمة بالنسبة اليه في لحظة اهدائه رأس النهوض القومي العربي الى الطرف الثاني. اضطر عرفات الى الانتقال الى موقع جديد بعد ان اظهرت التناقضات غير التناحرية انها لا تؤمن له حلا يرضيه. اندفع الى التمترس في خندق الاصرار على »تسوية عادلة« معدومة شروط التنفيذ. انه موقع ارادوي بامتياز. لعل افضل تعبير عنه ان عرفات كان يبدو سعيدا في الحصار الذي ضرب عليه في المقاطعة: لا حل معي إذاً لا حل بدوني، اي بدون الحد الادنى الوطني الذي أمثل. كان من الغرفتين المتبقيتين له يراقب انسداد الافق امام الفلسطينيين الذين يريدون الاقلاع بإدارة الظهر له، وانسداد الافق امام فلسطينيي العمليات الاستشهادية. لقد فرض حصارا على التسوية، حصارا يزعج الراغبين فيها من فلسطينيين واسرائيليين وقوى عربية ودولية من دون ان يسبب الانزعاج نفسه لمن لا يهتم لأمرها. وجاءت تفجيرات ايلول ونتائجها، الحقيقية او المفتعلة، لتدخل معطى جديدا: لم يعد الفائض الاحتلالي الاسرائيلي هو المشكلة وإنما النقص الديموقراطي الفلسطيني. هذه كذبة توازي في ضخامتها كذبة اسلحة الدمار الشامل في العراق سوى أننا لا نملك مفتشين دوليين للتأكد من الأمر. لم يكن ممكنا اعادة ايقاف الحقائق على أرجلها إلا بمسار طويل وشاق وغير مضمون النتائج. انه المسار الذي يفتتحه غياب عرفات والذي يبقى افقه، في أحسن الاحوال، غامضا. من الظلم محاسبة عرفات على أفكاره. لقد كانت بسيطة. لكن ذلك لا يمنع »العرفاتية« من ان تكون، مثل حركة »فتح«، ومثل الحركة الوطنية الفلسطينية كلها شديدة التعقيد والالتباس، خاصة اذا نظرنا اليها في سياق التطورات العاصفة التي شهدتها الامة العربية خلال نصف قرن. تمثل العرفاتية حالة تداخل بين »القطري« و»القومي«. وقطريتها ذات وجهين. فهي تعني »كيانية فلسطينية« ضد التبديد الاسرائيلي كما تعني، عبر »القرار الداخلي المستقل«، موقفا ضد المصادرة العربية الرسمية، وتحديدا تلك التي تريد المصادرة من دون تقديم بديل أرقى.
مع ترسخ الدولة القطرية العربية، ومع التخلي التدريجي عن القضية الفلسطينية، بات حصول الشعب الفلسطيني على دولة خطوة هائلة الى الامام. غير ان هذه الخطوة نفسها تعني حصول قدر من الانتكاس عن الحلم القومي خاصة اذا كان تحقيقها يمر بالاعتراف باسرائيل، والتطبيع معها، وتكريس واقع التجزئة. لكن المشكلة هي ان هذا المطلب الوطني في حده الادنى غير ممكن الا باحتضان عربي يبدو أننا انحططنا الى ما دونه.
والعلاقة بين القطري والقومي، في الحالة الفلسطينية، مفتوحة على الازدواج الاسرائيلي بين الكيان والدور. فاسرائيل الكيان هي، افتراضيا، ملجأ لليهود من الاضطهاد الاوروبي، ولكن اسرائيل الدور هي قاعدة متقدمة لفرض المصالح الاوروبية (ثم الاميركية). اسرائيل الكيان تعني تبديد الفلسطينيين، واسرائيل الدور تعني اخضاع العرب.
بين هؤلاء من »اكتشف« الدور وقاومه. ولكن بينهم ايضا، من اعتبر ان الرد على الدور يكون بإلغائه عبر تحقيق اهدافه بواسطة الخضوع الطوعي للغرب. ولقد قادت الهزائم المتتالية الى تغليب وجهة النظر الثانية، بحيث بات البحث محصورا بدفع الكيان الاسرائيلي الى التراجع بعدما أدى دوره في توجيه ضربة قاسية الى النهوض العربي.
لقد وجد عرفات نفسه امام معضلة صعبة الحل. ان قيادته الشعب الفلسطيني لمقاومة الدور الاسرائيلي حيال العرب مهمة اكبر منه، ومن شعبه، بما لا يقاس، ومستحيلة التنفيذ في ظل الانهيار العربي. لم يعد امامه سوى ان يسعى الى القضم من التوسعية الاسرائيلية. ولقد رحل من دون ان نملك جوابا حول الامكانية الواقعية لإنجاز ذلك.
رحل عرفات اذاً من دون ان يكون وصل الى الضفة الاخرى. لقد عاش دائما في حالة ما هو اكثر من ثورة وأقل من دولة: من الاردن، الى لبنان، وصولا الى الارض المحتلة بعد المنفى التونسي. لسنا هنا، امام ارض محررة تعيش حالة ثورية يراد لها ان تمتد على الوطن كله، يعيش الثوار فيها ومنها في انتظار استكمال التحرير. المقاومة الفلسطينية حالة شعب ثائر في ارض لا يملك سيادة عليها وبموارد خارجية. انها مقاومة ريعية ومفتوحة بالتالي، على الضغط الخارجي ومضطرة الى إعالة مؤسسات متنوعة لدولة جنينية، او قيد التحقيق.
من السخف تماما اتهام عرفات، بهذا المعنى، بأنه لم يكن رجل دولة او بأنه لم يحسن الانتقال من قائد ثورة الى رجل دولة. ومصدر السخف ان حالته الواقعية كانت تمنعه من ذلك، وأنه كان مضطرا احيانا، ومن دون ان ينجح دائما، الى دمج مهمتين تاريخيتين منفصلتين في لحظة واحدة.
اذا كان الاتهام السابق لعرفات غير مقنع فإن الاتهام المقنع، بالمقابل، هو أنه لم يظهر مرة انه شديد الوعي لما تعنيه المسألة اليهودية في العالم.
لا تخضع الحركة الوطنية الفلسطينية لمحاكمة اخلاقية بموجب المعايير المطبقة على العالم الثالث. فمعركتها، في جانب جوهري منها، تخاض وفقا لمعايير اوروبية لأنها، بطريقة ما استمرار لصراع دار هناك بين اوروبيين واوروبيين قبل ان ينتقل الى هنا فيتوحد الاوروبي الجلاد، مع الاوروبي الضحية في القاء عبء جريمة ارتكبت في غير فلسطين على فلسطين وأهلها.
ان وجها من وجوه النضال الذي قاده عرفات هو ضد الضمير الاوروبي المعذب بفعل المصير اليهودي في القارة. وهذه مسألة داخلية في كل بلد اوروبي، كما في مرحلة لاحقة، في الولايات المتحدة.
ويعني ذلك ان من يدخل في مواجهة من هذا النوع لا يمكنه ان يدع جانبا وعيا كونيا وتاريخيا يتجاوز، بما لا يقاس، حصرية الصراع بين غزوة استعمارية عادية، ومواطنين من اهل البلد، واي بلد! ادرك عرفات البعد العربي والاسلامي لثورته، ولم يدرك كفاية البعد الاوروبي والغربي ل»قضية« خصومه.
لم يتأكد ذلك قدر تأكده في المراحل الاخيرة لحياة الرجل، مراحل حصاره في المقاطعة. لقد بدا هنا ان »القليل« الذي »ارتكبه« قابل للتوظيف من اجل ان يرتد ضده في شكل قد يكون عجز عن فهمه. لقد كان الحصار قرارا سياسيا ترجم العدوانية الاميركية والتوسعية الاسرائيلية والتدهور العربي، واللامبالاة الاوروبية، الا أنه دل، في معنى ما، على ان الرصيد الاخلاقي الذي تغرف منه اسرائيل، او تسرق منه بالأحرى، قادر على الصمود في وجه التبذير الشاروني.
ومن علامات هذا الصمود الزعم بأن غياب عرفات هو انزياح عقبة من درب السلام. هذه أكذوبة جديدة ستجد لنفسها مكانا مرموقا في سجل الاكاذيب الذي يحفل بها صراع يعود الى عقود وسيمتد الى عقود.
(*) مقالة نشرت في مجلة »الكرمل«، عدد شتاء 2005

03/12/2005