الأفق الغامض لما بعد الانسحاب
مع اكتمال الانسحاب السوري من لبنان ينفتح أمام البلدين أفق جديد. التوقعات صعبة بالنسبة إلى ما سوف يحصل في دمشق. فماذا عن بيروت؟
يلتقي حلفاء سوريا وخصومها اللبنانيون على نسبة دور عظيم الأهمية لها في لبنان خلال العقود الثلاثة المنصرمة. وسواء كان ذلك من نوع حماية السلم الأهلي، ومنع التفكك، وإعادة بناء المؤسسات، وحماية المقاومة، أم من نوع تشجيع الاختلافات، واستتباع الدولة، وتنظيم الفساد، واستخدام البلد ساحة لمواجهة غير مكلفة، سواء كانت السردية الأولى صحيحة أم الثانية، وحتى لو أمكن اقتراح سردية ثالثة، فما لا شك فيه ان الدور كان أساسياً وان تضاؤله، وصولاً إلى اختفائه، مؤثر جداً.
ليس صحيحاً ان أحداً لا يعمل لملء الفراغ. نشهد منذ فترة، وسنشهد أكثر، تزايداً في استخدام مصطلح »دولي« أو »دولية«. بعثة دولية للتحقق من الانسحاب، بعثة تحضير لوصول فريق التحقيق الدولي، القرار الدولي 1559، القرار الدولي 1595، المراقبون الدوليون للانتخابات، التقرير الدولي عن 1559، التقرير الدولي عن قوات الطوارئ، التقرير الدولي عن 1595 بعد التقرير الدولي لبعثة تقصي الحقائق، مؤتمر دولي لدعم الاقتصاد... ويستمرئ اللبنانيون ذلك إلى حد ان نقيب المهندسين قال، فور انتخابه قبل أيام، انه سيطالب بتحقيق دولي في قضية لم يعد أحد يتذكرها. وفي الامكان سرد عدد من العناوين العالقة التي ستجد من يطالب برفعها إلى المجتمع الدولي. ولا يعني هذا التدويل، عبر الأمم المتحدة، عن نفوذ متزايد للسفراء والقناصل. ومع حفظ النسبة بين عنجر وغيرها، ليس اسهل من إيراد عشرات بل مئات الامثلة التي تضج بها الاروقة السياسية عن »نصائح« أو »مساهمات« أو »اقتراحات« لهذا السفير أو ذاك، وذلك عندما لا يبدو واضحاً ان مصائر تتقرر في »عواصم القرار«، وان أحداً لم ينكر ان الحكومة الأولى في عصر ما بعد بداية أفول النفوذ السوري هي ابنة توافق سعودي فرنسي يرضي واشنطن ودمشق لأسباب متباينة.
الانسحاب المفتوح على أسئلة يحصل، وملء الفراغ المفتوح على مجهول يحصل. وعند هذه المنعطفات السياسية المصيرية نشهد لبنان مندفعاً بأقصى سرعة نحو »حرق المراحل«. فباسم احترام المهل القانونية والدستورية للانتخابات النيابية يتم إبعاد عمر كرامي، ووصول نجيب ميقاتي، وتشكيل حكومة، وبدء التعاطي مع ملف قادة الأجهزة، ووضع البيان الوزاري، وتحديد مواعيد جلسة الثقة، وتعيين ما قبل نهاية أيار موعداً للاقتراع سواء بقانون جديد أو بالقانون المتوفر وهو العائد إلى زمن مضى،
والمعني بهموم يفترض ان لبنان يتجاوزها.
ان حصيلة التقاء هذه العناصر الثلاثة هي »تأمين« خروج مشوه للبنان من الحقبة السورية والعنوان الأبرز لهذا التشوه هو القانون الانتخابي الذي سيكون مسؤولاً عن تشكيل الأكثرية البرلمانية الجديدة ومدى ملاءمتها للانقسامات السياسية اللبنانية.
ولقد لاحظنا، في الأسابيع الأخيرة، ان الدول الأجنبية المقتحمة الساحة اللبنانية تصوغ خطابها التدخلي بشكل حذر جداً: لا علاقة لنا بشكل القانون، فكل ما نريده هو اجراء الانتخابات في موعدها. وتحول هذا الموعد، تدريجياً، إلى صنم للعبادة قبل ان يشرع البعض في القول ان تأخير يوم واحد يعني إنزال ضربة قاصمة بمستقبل لبنان. ومع ان معارضين مكرسين كانوا »تورطوا« في اعلان الموافقة على »تأجيل تقني« فانهم ابتلعوا مواقفهم ليصبح 29 أيار يوم الدينونة. والواضح ان الاصرار على هذا الموعد هو الصيغة المثلى للدفاع عن الرأي القائل بأن البلد أمام احتمالين لا ثالث لهما: اما القانون المحال إلى اللجان، واما قانون ال2000 ولو مع تعديلات طفيفة. أي ان التدخل الذي يقصد تمرير قانون معين اتخذ شعاراً أقل فظاظة هو التمسك بالمواعيد. ومع ان اقتراح النسبية حقق انتصاراً أخلاقياً فلقد سقط بحجج واهية من نوع انه ليس مفهوماً، أو ان الوقت لم يعد يسمح... غير ان التواطؤ على آلاسقاط لا يخفي ان الطبقة السياسية اللبنانية تفضل الصفقات الفوقية على اعطاء اللبنانيين حق الاختيار.
ليس اصعب من الدعوة إلى تأجيل الانتخابات. ولكن يجدر التأكيد بأن لبنان، غير الجاهز تماماً لما بعد الانسحاب والانتخاب، كان يستحق قانوناً انتخابياً يرتقي إلى مستوى المرحلة التأسيسية وقضاياها الشائكة.
ليس في لبنان من يملك منظوراً للخروج من الأزمة. لقد اغتيل الرئيس رفيق الحريري أولاً، وثانياً هناك من اسمى الجريمة »ربيع بيروت«. والأمر صحيح في ما يخص الاقتصاد طبعاً، ولكن يمكن ان نضيف ان أحداً لا يملك مشروعاً وازناً لصياغة التوازنات السياسية في بلد يمر في مرحلة »سيولة فائقة«. كذلك لا توافق على سلاح المقاومة، ولا على العلاقات مع سوريا، ولا حيال الموضوع الفلسطيني الداخلي، ولا على كيفية مواجهة الضغوط الخارجية المتصاعدة حتماً... وفي ظل هذا الغموض غير البناء اطلاقاً هناك من يصر على الاتيان ببرلمان سيبقي أكثرية عددية من اللبنانيين خارجه محرومة من أي تمثيل سياسي.
ليست هذه مرحلة انتقالية إلى بر الأمان. فيها الكثير من الارتجال، والكثير من التقرير يوماً بعد يوم. وإذا كانت قوى دولية تحتمل مثل هذا الاضطراب فإن القوى المحلية كان عليها ان تكون أكثر تروياً وحكمة.
