قضاءً لا قَدَر
قضاءً لا قَدَر
في "أخلاق" الجمهورية الثانية
يقول الحاكم إنه ممثل " حزب الأوادم" في السلطة. وهو يعتقد، إذ يقول ذلك، أنه أفحم خصومه جميعاً ورفع السياسة الى ذرىً لم يبلُغْها أحد قبله. لا ينتبه إلى ما في هذا الكلام من شعبوية رخيصة تحاول ابتزاز المواطنين واستغلال تذمّرهم ممّا حلّ بهم سابقاً. ولا ينتبه الى ما في هذا الكلام من كذب، طالما انه حليف موثوق لمن يقع تصنيفهم في دائرة "الزعران"، ناهيك عن اختراق جماعته بمن هبّ ودبّ من الوصوليّين. ولا ينتبه، أخيراً، الى انه يطلق رصاصة الرحمة على الحياة السياسية التي يفترض فيها، تحديداً، أن تكون صراعاً بين "أوادم". يضيع الفرق بين البرنامج السياسي وبين "السجلّ العدلي"، فيتحوّل كلّ معارض الى متّهم بانتظار إثبات العكس، أي الولاء...
يعود لبنانيون كثيرون الى وطنهم للزيارة أو للإقامة. يُشجّعهم على ذلك الأمن النسبي والتحسّن البطيء جدّاً في أحوال الخدمات. تردعهم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية. لم تعد المشاكل السياسية مَدعاة هجرة كثيفة، لكن استمرارها لا يشكّل إغراء بالعودة. دوران العجلة الاقتصادية عنصرُ جُذْبٍ لمن يريد الاستثمار المُرْبح، ويستطيع اللبناني المهاجر، إذا كان غنيّاً، أن يعود. وربّما كان مرغماً على ذلك إذا كان فقيراً. المنتمي إلى فئات وسطى يتردّد خاصّة إذا كان تُدُبّر أمره في الخارج. وهو يُلاحظ أن الفئات التي ينتمي إليها يجري تدميرها بمنهجية في لبنان، وتتحوّل إلى ضحية رئيسيّة للنظام القائم، بدل أن تكون عموده الفقري. وإذا كانت الحياة السياسية، في أيّ بلد، تتعرّض الى تفريغ في حال تضاءلت الفئات الوسطى، فان هذا التفريغ يبدو مطلوباً في الحال اللبنانية.
هاجر اللبنانيون طلباً للأمن أو العمل أو العلم. العائدون يجدون الأمن فلا يسألون كثيراً عن "أدواته". أما العمل فقليل وأما العلم فغالٍ. الأمن وحده لا يكفي طبعاً، علاوة على أن العالم لا يخلو من بلدان آمنة، (بلدان الهجرة بالمناسبة). الناقص الفعلي هو الروح. هو الشعور بأن شيئاً ما حقيقياً يجري. عودة مواطن لا تعني عودة وطن. ومراكمة المشاريع و"الورش" لا تكفي للحديث عن "البناء". والشعور السائد بعيد جدّاً عن توليد اندفاعة بمشاركة الجميع في مشروع وطني.
يمثّل رفيق الحريري نموذجاً عن "العائدين" كان يطلّ على البلد في أيّام الحروب الأهلية التي عاشها. ثمّ بدأت زياراته تأخذ طابعاً سياسياً. ثم وضع إصبعاً في إعادة إعمار أسواق متهدّمة. ثم استقرّ بعد أن أدرك أن لبنان مثير للشهية، وأن التصدّق عليه، وعلى بعض أبنائه، كفيل ببناء صورة إيجابية تغطّي كلّ ما عداها. لم يكن يملك سوى غربته وثروته. الأولى طويلة بعض الشيء، والثانية طائلة كما يقال. الأولى رمزٌ إلى عفّة مَنْ يُشارك، مباشرة، في القتال، والثانية رمزٌ إلى القيمة الجديدة التي آن لها أن تعود إلى الصدارة، مستفيدة من عوامل كثيرة، بينها أنها كانت قبل ۱٩۷٥ إحدى القيم المؤكّدة لـ"المعجزة اللبنانية".
المخرج اللبناني مارون بغدادي غادر لبنان في ۱٩٨٢، حين كان الحريري بدأ يتردّد عليه. بقي في ذهاب وإياب مستمرّين إلى أن قرّر "العودة" في زيارة طويلة لتصوير فيلم يتحدث عن "زيارة" لا عن "العودة". عن وصول رجل غادر لبنان طويلاً ثم جاء لسبب ما وأراد "استغلال" حضوره للبحث عن قتلة أبيه. وجدهم الواحد تلو الآخر، وتغلّبت عنده نزعة التسامح معهم. ليس سرّاً أن مارون بغدادي هو أحد أكثر الفنّانين"تعاطياً" مع الحرب. صوّرها كثيراً. أدّاها توثيقاً ورواية. تلاعب معها بعد أن كان ملتزماً أحد أطرافها. وهو إذ أراد إخراج هذا الفيلم فلاعتباره أن الحرب انتهت. غير أنها كانت من اللؤم بحيث قتلته. يجب القول، بالأحرى، إن بقاياها قتلته يوم ۱۱ كانون الأول ۱٩٩۳. أشاع موته حزنًا واسعاً شارك فيه كثيرون من الذين انتبهوا إلى أن الحرب لا زالت قاتلة، وأن الانقطاع المستمرّ للكهرباء، وهو السبب "المعروف" الذي جعل موت مارون ممكناً، دليل على أن المرحلة انتقالية فحسب، وأن الاحتفال بموت الحرب مبكر بعض الشيء، ودليل استبطان هذا النقصان الفادح للحقوق، لا بل لأبسط ما يمكن لسكّان مدينة أن يطالبوا به، الكهرباء.
تطرح هذه الحادثة العابرة قضايا تتجاوزها. منها موضوع الفيلم، ومنها التحقيق الذي جرى في الوفاة، ومنها سلوك الدولة حيال مُبْدع، ومنها موقع الثقافة في "الجمهورية الثانية"، ومنها عجز اليسار اللبناني عن تبنّي موت أحد أبنائه.
الناشر: دار "الجديد"
سنة الإصدار: 1996
ملخص أوسع قيد الإعداد

