على سبيل التقديم
بداية، تَجبُ الإشارة إلى حاجَة الموْقع إلى المزيدِ من العَمَل، خُصوصاً على الجانب الفنّي، الذي جاء، ولأسباب مختلفة، أقلّ من التصوّر الذي اجتهدنا لِِبلوغه. المَحْدودية النِسْبية في الإمكانات، وضَخَامة المادّة، إلى صعوبة العمل عليها، فَرْزاً وتَبويباً، إلى ضآلة الفريق، وغيرها الكثير، عناصر اجتمعتْ في وَجْه المشروع، المشروع الذي نُريده تحية حُبٍ وتقدير إلى صَاحٍب الموقع، ومُحَاولة أخيرة للإمساك به، ولوْ من خلال الإضاءة على إرْثِه الثري.
التقشّف النِسْبي الظاهر في صورة الموْقع مقصود، وهو تقشّف جماليّ له أسَاسَاته النظرّية المكينة، وينطلق من انحيازٍ الى المفهوم الفنّي الأسَاسْ، ذاكَ الذي إذْ يُعلّي من شأن المضمون، فبالترافق مع قالبٍ جماليّ لا يَقُلّ عنه أهمية. ولدينا أنّ القالب يَستتبع المضمون، ومتى توافر المضمون النوعيّ، المتوافر فعلاً، سَهُلَ الوصول الى القالب العاكس له. وهو حَتْماً ما سوف نعمل لاحقاً على بلورته بصورة أوضح وأدّق.
وتبديداً لاي التباس، قد يُفْهَم منه التبرير، يهمنا أن نُضيف أن الجمالية لدينا عنصرٍ إضافي، لا يُمكن لها ان تَحُلّ مَحَلّ الغاية. والغاية التي نسعى إليها بسيطة، كما الموقع، وتتلخصّ في إيجاد المُعادلة التي تَسمح بالوصول الى ثراء المادة التي خلّفها لنا الصديق جوزف سماحة، بعيداً عن التكلّف والإصطناع المُلازميْن لمفهوم إنشاء المواقع الالكترونية.
ضيق الوقت، والحاجة الى تحيّة الرجُل، جَعَلانا نؤثر الإسْرَاع في إطلاق الموْقع، خُصوصاً أنّ اللحظة السياسية والثقافية التي تعيشها كامل المنطقة العربية، من الحراجة ما يفرض حشْد الطاقات، وتَوْفير الفكْر النقدي، والسَوّي، الذي له أن يَرْفد المناضلين الحقيقيين ويُمكّنهم من التصويب الصحيح. ولا شك ان في إرْثِ سماحة الكثير من الإطروحات الصالحة للوقوف على مُتطلّبات "الحرب" المفتوحة ضد العدوانيّة الصهيونيّة المعطوفة على الهجوميّة الاستعماريّة التي تَهدفُ، حَصْراً، الى إدامَة الإستنقاع العربي.
سوف نُبالغ قليلاً ونقول انها ليست مصادفة، وإن بدت كذلك. فأي مُصادفة هي هذه التي أمكنها، وبكل هذا اليسر، إطفاء هذا القلب وإسكات هذا القلم؟ وخصوصاً ان "الوقائع" المتوافرة، ما سبق منها وما لحق، تذهب في اتجاه آخر، اتجاه التأكيد على أنّنا بازاء "جريمة" تكاد أن تكون كاملة. فـ"الموعد" الذي استهدف جوزف سماحة في لندن، ومن دون أدنى شك، فوق طاقة المصادفة، اي مصادفة. إنّه نتيجة التدبير والتخطيط إياه، ذاك الذي مزق خريطتنا، ويحاول اليوم امتهان مستقبلنا. ولقد أصاب، هذه المرة، ايضاً، مركز القلب.
بين "الوعد" الذي استهدف المنطقة العربية، مطالع القرن الماضي، و"الموعد" الذي نال من جوزف سماحة، اليوم، الكثير من الوشائج، وليس المكان اللعين الا مسرحاً للقرار إيّاه، وللذريعة "التمدينيّة" إيّاها.
إنها لندن، العاصمة ذاتها، صاحبة "الوعد" الشهير... وها هي، اليوم، تعيد الكرة وتضرب، هذه المرة، بدل "الوعد"، موعداً يدانيه في الفظاعة.
ومع ذلك، وبرغم فداحة المصاب، واستناداً الى "التفاؤل" الحاسم الذي استمر ملابساً لجوزف، يمكن الجزم، طال الزمان أم قَصُرْ، أنّ مصير "الموعد" الغادر، لن يكون بأفضل من مصير "الوعد"، الذي تسنّى أخيراً هزّ نواته "الصلبة"، بفعل المجابهة العسكرية والسياسية والاعلامية التأسيسية، التي خاضها "رفاق" جوزف وأصدقاءه في المقاومة اللبنانية صيف 2006.
كان جوزف سماحة إبناً باراً للمقاومات العربية، من المقاومة الفلسطينية الى المقاومة اللبنانية، مروراً بالمقاومة الوطنية اللبنانية. بل وواحداً من رموزها الكبار، متابعاً، في خياراته العامة، طريق ياسين الحافظ، في امتشاق الوعي المطابق، الوعي الذي يمنح الأولوية لسؤال الواقع على أجوبة الذهن، ويرى الى الواقع من منظار وضعي بعيد عن المعيارية. والانحياز الحاسم الى "الفكرة العربية"، تلك التي تفتحت بعض زهورها مع جمال عبد الناصر، قبل ان توأد على يد قوى الرجعية والتخلف العربي، التي تجندت لتنفيذ المؤامرات المحاكة في الدوائر الغربية، وقد لعب يومها النظام الوهابي، كعهده اليوم، الدور الأفعل، ورأس حربة المخططات.
رأى في الناصرية برنامج النهوض العربي، ووجد في مشروعها الأجوبة الصائبة على المشكلات العديدة التي تعترض تحقيق هذا البرنامج.
وانحاز الى الأسئلة التي طرحتها على الوضع العربي كله، وللتحديات التي "أثارتها مشاكل التجزئة والتخلف، التبعية والاستقلال، التحرر واستخدام الثروات، التأميم والاصلاح الزراعي، بناء القاعدة التحتية للانتاج، السد العالي وتشجيع الزراعة...". على ان وقوفه الحازم مع المشروع الناصري، لم يحجب عنه ضرورة نقد الانحرافات والاخطاء، فجعل يحمل على الاخطاء بالضراوة نفسها التي يدافع بها عن المنجزات.
نقديته الصارمة، والنابعة من وعي ثقافي حاد بأهمية النقد، كممارسة نضالية مكمّلة، تملك تصويب المسار وتصحيحه. منحت المثقف العربي حضوراً متقدماً في المشهد السياسي العربي، فازداد شأنه وتعزز موقعه، وارتقى الى احتلال الموقع الطبيعي اللائق به، موقع الإمساك بالسياسة وتوجيهها... وحين انقلبت الامور، وسادت الثقافة الذيلية، تراجعت السياسة، او انعدمت، لتحلّ مكانها "سياسة" اخرى راح "يرسمها" او ينفذها "الملوك والضباط الصغار". على ان هذا السقوط المريع للسياسة لم يأت من فراغ، بل نتج من تضافر العوامل، وفي مقدمها "البترو دولار"، ودوره الكبير في صناعة أنصاف المثقفين، و"الكلمنجية" والمرتزقة.
أمام هذا الواقع الإنهزامي الناشىء، الذي لم يعدم المنظرّين، لم يتراجع سماحة قيد انملة، بل زاد في جذرية خياراته، ورفع من وتيرة نقده، ووسع من مساحته، لتشمل ايضاً، الى الأعداء السافرين والمستترين، منتحلي الصفات، وبالتحديد منهم منتحلي الصفة الثقافية، التي بقيت عند الرجل ذات طبيعة تقدمية تجعلها عصية على الخضوع.
سطوره المتروكة في اليوميات والاسبوعيات التي عمل بها تقول الكثير في هذا المجال. كان واحداً من رواد الكلمة التي أبت وتأبى الانصياع الا لصوت التقدم، وليس أي تقدم، بل التقدم المشروط بتحرير قوى المجتمع العربي وطاقاته من كافة الموروثات التي تجعله حبيس الهامش. وفي تلك السطور الأنيقة، والمشتعلة، شكلاً ومضموناً، تتجسد الكثير من شحنات المقاومة الصلبة والحقيقية لكل اليقينيات، ولكل ما هو سائد من سهولة او استسهال، كما لكل ما هو مضاد للحريات، كل الحريات.
كان لديه ان التلازم واجب بين الوطنية والديمقراطية، ولا يمكن في الشرط العربي الصعب، والمعقد، ان تستقيم واحدة من دون الاخرى، فجرّد وعيه وقلمه للنيل من تلك الاطروحات التافهة التي أقامت الفصل التعسفي بين الامرين. موقفه النقدي والثوري هذا لم يحجب عنه رؤية الهدف الأصلي، هدف صد الهجمة الغربية المفتوحة ضد المنطقة العربية، خصوصا بعدما لمس التلازم، او التطابق بين هذه الهجمة واستمرار الاستنقاع العربي، سياسة وثقافة واجتماعاً. فوقف، وبلا أدنى حرج، كعهده، الى جانب تعزيز "الممانعة" وفي الوقت نفسه لم يرحم "الممانعين".
جوزف سماحة ابن الوعي الحاد الرافض للظلم، والمنحاز الى التقدم والاشتراكية، إمتلك الى الجملة الثورية، الواقعية الضرورية لجعل "الحلم" ممكناً.
تقول الواقعة انه في ليل 24 ـ 25 شباط 2007، وقبل انصرام الليل "اللندني" الثقيل، وفي "غفلة" لم تتكرر، كان "الموعد" الذي نال من جوزف سماحة.
ثمة غدر أكيد، وثمة مكر خبيث، وثمة ما هو أدهى، لكن المؤكد ان "الموعد" الذي خطف "أجمل الناس"، أعلى من شأن الألم، من غير ان ينال من الأمل، الأمل ذاته الذي تجسّد في الجسارة التي ميزت جوزف حتى في أحلك الظروف. وما مشروعه في "الاخبار" الا الترجمة الأصدق لهذه الجسارة التي جعلته يركب الحلم، حلم التغيير وحلم التجديد.
ثمة من أصاب في وصف الفعلة، اذ اعتبرها، شكلاً وتوقيتاً، أقرب ما تكون الى الاغتيال، بل، ونوع معقد منه. خصوصاً ان "الموعد" الذي نال منه جاء متجلببا بالليل، وفي ساعة إخلاد الرجل الى محاولة النوم، وفي فيء صديقه حازم صاغية، وفي الارض البعيدة، نسبياً، عن المسرح الذي استحوذ على عقل سماحة وقلبه، أي بعيداً عن لبنان وفلسطين وسوريا ومصر، وسائر بلدان المنطقة العربية.
تعددت الأوصاف وتنوعت القراءات، لكنها جميعاً لم تنجح في التخفيف من جسامة الحدث، أو قساوته... غير ان المهم ان ما أعقب ذلك، من محاولات الإسترجاع، أو محاولات النكران، أو... أو...إلخ، بقيت تفاصيل لا قيمة لها. فالرجل قد غادر تاركاً للوجع أن يقضم مساحة إضافية.
النتيجة الواضحة حتى اللحظة، ان الغدر والموت سجلا انتصاراً "استراتيجياً"، لن يكون سهلاً علينا التعامل مع تداعياته، سواء العامة او الشخصية. ففي وداعه فاض الحزن، وفاض العجز، وفاضت العيون، وهذه وتلك إشارات يصعب تجاوزها من دون الإقرار بحجم الإنكسار.
الواقعة اذن هي الأساس، وما تلاها سوف يتحول الى غصّة تسكن الدواخل الخاصة للاصدقاء والعارفين.
الواقعة تلك، سوف تستعاد مراراً وتكراراً، وفي كل استعادة، محاولة تمرين فاشل على تحمل الوجع، الذي صار، مع الواقعة المشؤومة، جزءاً عضوياً من حياة أصدقائه، وهم للمناسبة، كثر ومتوزعون في أكثر من مكان وزمان في جهات الارض الاربع، فالرجل، ومن موقعه المتقدم في المعركة العربية، كان ناصية للمسافات، بل وفوق الترسيمات الجغرافية وما يستتبعها من ترسيمات سياسية وثقافية متواطأ عليها.
هذا ما تقوله الواقعة، التي على شدة وضوحها لا تملك البرهان الحاسم على صحة رحيله من عدمه، خصوصاً أن بصماته على الوعي العربي من الحضور ما يلغي فكرة "الرحيل". وان الأمر بمجمله، أمر الغياب والجنازة والدفن، لا تعدو أن تكون واحدة من تمويهات "معاركه" الإضافية. واللافت في هذا النفي الغريب تأكيده ان هذا الحضور المتجدد، ان ثبت، وهو ثابت فعلاً، لم يعد وفق الصورة المألوفة. اي أن سماحة، الذي اختار "موقعه" قد أنجز أيضاً شكل الحضور الجديد، وقد لا يكون بالضرورة شبيهاً بحضور أيّ منّا.
ويبقى السؤال: هل غادر حقاً؟ أما الجواب فيقول، وبشيء من التلعثم، لا لم يغادر. وسطوره في "اليوم السابع"، كما في "السفير"، كما في "الوطن"، كما في الحريّة، كما في "الحياة"، كما في "الأخبار" هي بعض منه، بعض حقيقي، بل وبعض نابض بالجوانب الأكثر وضوحاً فيه.
جوزف سماحة الذي غادر باكراً، ترك وراءه الكثير الكثير من الكلمات والسطور، التي تقطر وعياً، وتقطر معرفة، وتشكل زاداً حقيقياً يجدر بالمناضلين الحريصين التسلح به في مواجهة اللحظة السياسية الأصعب التي تطبق على حاضر المنطقة ومستقبلها.
... هذا الموقع هو واحد من أشكال الحضور الذي قيل فيه الكثير. من جهتنا نامل ان يكون كذلك. والأمل، كل الأمل، في الاستفادة من مضمونه الثري. فبمقدار ما يتم التواصل مع جوزف وفكره، بمقدار ما نساعده على الثبات، بل والمكث بيننا، نساعده في الحضور فعلاً في الموقع السياسي والاعلامي الذي يستمر شاغراً، ومنعه من تكرار محاولة المغادرة... ففي هذه البقعة من الارض عقله وقلبه ووجدانه التي سخرها جميعاً من أجل قضية العرب فلسطين.
يحاول الموقع الالكتروني هذا، ان يظهر بعضاً من هذا الرجل الذي أعطى وأعطى وأعطى، أعطى فلسطين، كما لبنان، كما أعطى المشروع العربي، والقضية الاجتماعية، والحريات والديمقراطية، وكل ذلك، من موقع متقدم في اليسار، اليسار المتجاوز لأنواع التنميط، او الأدلجة الفارغة.
كما يسعى الموقع الى الاحاطة بالإرث الذي خلفه جوزف، والى وضعه في تصرف الراغبين بالاقتراب من عقل الرجل الذي ارتقى بالصحافة، كما بالسياسة الى مصاف مهنية واخلاقية وسياسية عالية.
يأمل الموقع من متصفحيه ألاّ يبخلوا في نقدهم لأي خطأ أو تقصير.
ان غاية الموقع الأساسية توجيه التحية الى كبير لم يتسَنّ له، حتى اللحظة، نيل التكريم الحقيقي.
ختاماً، يتوجه الموقع بالتحية إلى كل من ساهم في جعله ممكناً، ونخص بالشكر بلال الحسن، يوسف عبدلكي، سحر برهان، إميل منعم، ربيعة سلمان، بشرى عبد الصمد، رولا يحي، إبراهيم عيّاد، محمود قرق، وآخرين يعرفون أنفسهم ويعرفهم جوزف.
يهمنا أخيراً، التأكيد على نقطة أساسية طبعت وجود جوزف، وهي أن جمع هذه المقالات تم برغم ان صاحبها كان يرفض فكرة جمعها في كتاب، ولا حتى مختارات منها. نستميح جوزف عذراً، ونلتمس في رفضه واستخفافه ذاك بالفكرة سبباً آخر للحرص على آثاره.
أسرة الموقع
"أصدقاء جوزف سماحة"
|