مقال عشوائي
جورج حاوي: الحيوية الفائضة
لننس أوضاع اليسار اللبناني اليوم. لننس ما كشفته لنا الانتخابات من أن التخندق الطوائفي يكاد يلغي المساحات المشتركة بين اللبنانيين. لننس ما يطيب للبعض تكراره من أن احتياطي اليسار في المجتمع اللبناني يفوق حجم التنظيمات. لنتذكر، فقط، أن هذا »الوطن المعلق«، الفاقد لأي عمود فقري، العاجز عن إنتاج مركز توحيدي جدي، لنتذكّر أن هذا الوطن يحتاج، كضرورة لا بد منها، إلى تيار وطني ديموقراطي يساري عروبي.
إذا نسينا ما نسيناه وتذكرنا ما تذكرناه، أمكن لنا القول إنه لا مجال لكتابة تاريخ اليسار في لبنان، ولا مجال، أحياناً، لكتابة تاريخ لبنان في العقود الأربعة الماضية من دون حفظ مكان للشهيد جورج حاوي. لولاه لكان الحزب الشيوعي اللبناني دخل في مرحلة تكلّس ولكان صعباً أن يكون دوره الدور الذي كان عليه منذ مطالع السبعينيات.
كان أبو أنيس من الشيوعيين الذين اعتبروا أن وصمة يجب أن تمحى في تاريخ هذا التيار، وصمة الاعتراف بالتقسيم في 48. لذا، وبعد عقدين، قاد، مع رفاق له، التحوّل الذي شهده المؤتمر الثاني في وقت كان فيه العرب يبحثون عن سبل الرد على هزيمة 67، والعالم يعيش ربيع الشباب، والأفكار الماركسية تتعرض لعملية تجديد حاول البعض أن يصد رياحها عن اليسار العربي.
ولقد مهّد هذا التحوّل، المتلاقي مع الانقلابات التي تعيشها أحزاب الحركة القومية، مع الجذرية المندفع نحوها كمال جنبلاط، لنشوء المعسكر الذي قاد النضالات المطلبية العمالية والفلاحية والطالبية في لبنان. ولقد حصل ما حصل في لبنان، وكان يمكنه أن يكون لبنانياً فحسب، في ظل انعقاد طلب الإصلاح على شعار حماية المقاومة الفلسطينية التي تصاعد استهدافها وصولاً إلى اندلاع الحروب الأهلية ودخولها في منعطفات متعددة شديدة التأثر بما كان يدور في المنطقة.
كان حاوي من الرعيل اليساري اللبناني الذي حاول أن يقود بلاده في عكس المجرى العام للتراجع العربي، هذا التراجع الذي تبدّى، مرة، بمحاولة تأديب الوطنيين اللبنانيين، ومرة أخرى، وأخطر، بخروج مصر من دائرة الصراع. ظهرت في هذه المرحلة
مواهبه القيادية، وحس المبادرة له، وقدرته الفائقة على التفلت من أسر المعادلات العقائدية الضيقة.
تحوّل حاوي، اعتباراً من 75، إلى وجه عربي ودولي. إلى وجه عربي بصفته أحد المسؤولين (بعد رياض الترك) عن مصالحة اليسار الماركسي مع القضية القومية، وإعادة وضع فلسطين في موقعها، وتقديم قراءة يسارية للوحدة والتحرر والتقدم. وإلى وجه دولي بصفته واحداً من قلائل يخوضون نضالاً مسلحاً ضد القوى المرتبطة بالمشاريع الاستعمارية. وإذا كان حاوي غالى في الذهاب إلى التحالف مع الثورة الفلسطينية إلى أقصى مدى فإنه فعل ذلك كعمل تطهري يسمح له بأن يطرح في الآن معاً أزمة حركة التحرر الوطني العربية وأزمة البديل الثوري عن قيادتها.
لم يكن صدفة، والحال هذه، أن يكون من المبادرين إلى إطلاق »جبهة المقاومة الوطنية« ضد الغزو الإسرائيلي وأن يخوض معركة إسقاط الاتفاقات التي فُرضت على لبنان.
كان الرجل يتمتع بفائض حيوية. كان يعشق التكتيك. كان شديد الميل إلى مواءمة الشعار اليومي مع اللحظة الراهنة. باختصار، كان شديد المبالغة في التفاعل مع المستجدات. لم يكن ليرضى بتراجع دور الحركة الوطنية واليسار. ولم يكن ليطيق أن حزبه يمكن أن يكون معزولاً وأن أحداثاً كان منخرطاً فيها يمكنها أن تستمر من دونه دافعة إياه إلى موقع المتفرج.
يمكن القول إن جورج حاوي هو الرجل اللاهث وراء الفعالية حتى لو قاده الأمر إلى استبدال نفسه بالحزب، وإلى أخذه على الرفاق التردد والرغبة في تلمّس موطئ القدم.
عندما يستشعر ضرورة المصالحة مع خصوم كان يبادر إلى المصالحة. وعندما يحس أن الريح تهب في جهة كان يحاول ركوبها. وعندما يشتم التطورات كان يسبقها ليلاقيها. وكان قادراً على أن يغرف من ريفيته التي لم يغادرها، ومن أمميته التي اختبرها، ومن ثقافته المطلة على بعض ما يجري في العالم، ومن ثقته الهائلة بالنفس، ومن رصيده النضالي، كان قادراً على ذلك كله من أجل تقديم الموقف، مهما كان جديداً، وكأنه استمرار حرفي لما سبق.
إلا أنه، في ذلك كله، لم يضع البوصلة التي تهديه إلى الأفق البعيد: التحرّر الوطني والقومي والاجتماعي. اختط لنفسه طريقاً للوصول إلى هذا الهدف، ودخل في منعرجات كثيرة، وبقي في ذهنه أن الانغراس في التربة المحلية، كما هي، وبكل إيجابياتها وسلبياتها، شرط من شروط الانوجاد، أي شرط من شروط الاحتفاظ بالنبرة اليسارية في برج بابل اللبناني هذا.
إن شعوره بأنه واحد من أبناء الجبل لم يفارقه. ولعل ذلك هو ما وفّر له الشرعية الداخلية المطلوبة للدخول في مغامرات لا تحصى، في مغامرات فكرية، وسياسية، ونضالية، وعسكرية، وللعب دور المهماز الذي يرغم أياً كان على لوم نفسه لأنه بطيء الاستجابة.
كان جورج حاوي في المشهد السياسي اللبناني، خلال الشهور الماضية، حاضراً بقوة، ولو أنه حضور إعلامي أكثر منه تنظيمياً. كان في منطقة ما بين الحزب الشيوعي اللبناني، وهو عضو فيه، وبين الحساسية التي مثلتها »حركة اليسار الديموقراطي«. إلا أن الأمانة تقضي القول إنه كان مزعجاً لقوى وجهات أكثر ممّا يسمح به موقع »القوة الثالثة«. ولعله لعب دوراً في الدفع نحو الانخراط النشيط في »انتفاضة الاستقلال«، ومارس هوايته المفضلة في اقتراح المخارج السياسية، والحلول الافتراضية، والسعي إلى توحيد ما يعتبره مشروعاً لدى الأطراف اللبنانية المتقابلة. كان يصعب عليه أن يبدأ حديثاً عن الأزمة من دون الانتقال إلى اقتراح التسوية، أي التسوية التي تعلم من تجاربه أن الوصول إليها حتمي... بعد خسارات لا تحصى.
إن الرد الوحيد على استشهاد أبو أنيس هو امتناع اليسار اللبناني عن الغرق في انتصارية زائفة أو في سوداوية مستسلمة. إن بعضاً من نشاطيته الفائقة ضروري... مهما كان مكلفاً.
