صفحة أولى

 

 

 

 

 

 

 

إصدارات

"أصدقاء جوزف سماحة"

book1

بلا ضفاف

 

book2

خط أحمر

 

book3

اليوم السابع

صديقي العابس طباعة أرسل لصديقك
 

 

 

 

 محمود درويش

 

 

جوزف سماحة، صديقي العابس، كان يفاجئنا أحياناً بابتسامة ما، في آخر الليل، لا تبلغ حدّ الضحك. وكان يفاجئنا أحياناً باختفاء ما في جزيرة بعيدة. لكننا لم نتوقع أن يفاجئنا بالسفر إلى لندن، ليعبث بنا كما لو كان مؤلّفاً تراجيدياّ يرقد في نصّه المعتم، على مرأى من مشاهدين أُغمي على بعضهم من الصدمة.

هو، ليس كذلك. لم يكن ساخراً إلى هذه الدرجة. فهو الذي لا يضحك ولا يبكي.

كل شيء فيه كان معدّاً لحبّ الحياة بفجورها وتقواها: قوة حصان لم يمرض. وبسالة فارس لم يترجّل، وأملٌ جَشِعٌ لا يتوقّف عن الثرثرة. وبصيرة مثقف لا يؤجّل كلمة اليوم إلى الغد. مناضل وبوهيمي. صديقُ الوحيدات في الليل، ورفيق العاطلين عن العمل والبهجة. حيويّ ذكي يبحث عن الاختلاف في كل شيء، وعن الخصومة على كل شيء، لأن الإجماع من صفات القطيع.

رفع المقالة اليومية والأسبوعية إلى مستوى الأدب السياسي الرفيع، ببهاء العبارة ودهاء الحجّة. لم يستطع أحد، حتى من خصومه، تجاهل ما يكتب. وما يكتب ليس خاطرة عابرة. في ما يكتب تحريض على التفكير. وفي ما يكتب كثافةُ معرفةٍ وإحالاتٌ إلى مراجع ومصادر، يومية وموسوعية. مقالته التي تحلّل الخبر والحدث صارت هي الحدث والخبر.

هو الحائر الخلّاق الذي لا يَكُفُّ عن الشك في اليقين. عدوّ الجمود الفكري والعقائدي والسياسي. تقلباته الفكرية هي سرّ حيويته، وهي التعبير عن حيْرة المثقف الباحث عن الحقيقة في فوضى التحولات. لكنَّ فيه ثابتاً لم يتعرض للمراجعة: هو عداؤه النهائي للمشروع الإسرائيلي، بتفرعاته الإقليمية والدولية. وعداؤه للاستبداد الكوني الذي تمثله الهيمنة الأميركية.

مقالاته في الحرب والسلم تحمل تعقيد المفهومين: فليست الحرب، في حقول النفط وعلى حافة الترسانة النووية، نزهة بلاغية. وليس السلم ممكناً. لكن المقاومة ضرورية وممكنة.

بيروت ناقصة بعده. صباحها ناقص وليلها ناقص. وثقافة المقاومة نقصت أحد منظّريها الكبار. وحياتنا ناقصة: فمن يزيدنا ذكاء كلما حاورناه وشاكسناه. وأحببناه أكثر؟

جوزف نائم، ولا يستطيع أحد إيقاظه، لأن نومه، هذه المرة، عميق. لكن ذكراه صاحية.

 

 

(مستلة من كتاب "حيْرة العائد ـ مقالات مختارة").