|
غورباتشوف: سيرة شخصية ـ سياسية
قصة الصعود من ستافروبول إلى موسكو
جوزف سماحة
يحتفل الاتحاد السوفياتي بعد أيام بالذكرى السبعين لثورة أكتوبر. وتجري الاحتفالات هذه المرة بعد أيام من التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة حول الصواريخ الأوروبية، وفي غمرة تطورات تشهدها البلاد وتدور حول عنوانين أساسيين: إعادة التنظيم البنيوي والمكاشفة. تعود الثورة مع ميخائيل غورباتشوف إلى ينابيعها الأولى وتجدد شبابها في ظل قيادة جديدة تطرح تصورات وبرامج تهزّ قناعات كانت تبدو راكدة وعصية على أي تغيير. "اليوم السابع" ستفتح ملف الإصلاحات في الاتحاد السوفياتي محاولة إلقاء الضوء على ما يدور في هذا الجزء من العالم وعلى التأثيرات المحتملة التي سوف يتركها. المدخل إلى ذلك تقديم شخصية ميخائيل غورباتشوف الأمين العام والمسؤول الأساسي عن الدينامية الجديدة. على أن يجري التطرق، تباعاً، إلى نهاية عصر بريجنيف ومرحلتي أندروبوف وتشيرننكو القصيرتين. انطلاقاً من تحديد التوازنات الجديدة يمكن الإطلالة على الانبعاث الثقافي الجديد في الاتحاد السوفياتي وعلى التحولات الطارئة على كل من الحزب والدولة والاقتصاد والمجتمع. أخيراً سيصار إلى التوقف عند السياسة الخارجية الجديدة لموسكو مع إفراد موضوع خاص لمواقفها في الشرق الأوسط وأزماته المتعددة.
لماذا يبدو هذا الرجل مستعجلاً؟
بدأ العمل وهو في الثالثة عشرة من عمره. تزوج وهو في الثالثة والعشرين. أصبح أباً في الخامسة والعشرين. دخل اللجنة المركزية وهو في الأربعين. وأصبح سكرتيراً فيها في السابعة والأربعين وجداً بعد سنة. عضو في المكتب السياسي قبل الخمسين وأمين عام للجنة المركزية في الرابعة والخمسين وهو يعطي لنفسه سنوات من أجل "إعادة التنظيم البنيوي" perestroika للاتحاد السوفياتي!
يقال عنه أنه سيقود بلاده حتى العام ألفين طابعاً نهاية القرن بطابعه، هذا القرن الذي ترك لينين بصماته الواضحة على مطالعه عندما قاد ثورة "أكتوبر" التي تبقى، مهما قيل، أحد أهم الأحداث في تاريخ العالم.
هذا الكلام هو، في عرف البعض، نوع رديء من "عبادة الشخصية" يتجدد بمناسبة الحديث عن رجل يريد إنقاذ بلاده وحزبه من هذا المرض. إنها مفارقة. صحيح، لكنها مفارقة قابلة للفهم بشرطين. الأول هو الاتفاق على أن ميخائيل غورباتشوف هو رمز لجيل يصعد إلى قيادة الاتحاد السوفياتي حاملاً حلوله للتناقضات التي تعتمل في هذا المجتمع شديد التنوع. الكلام عنه، بهذا المعنى، كلام يتجاوز شخصه ليتناول تياراً بكامله لا يعدو أن يكون هو رمزه الموجود في أعلى مراكز السلطة. الشرط الثاني هو إيجاد نقطة التوازن الدقيقة بين دور كل من "الظروف الموضوعية" و"نشاط الأفراد" في صنع التاريخ. لقد عودتنا الدعاية السوفياتية، في عهودها البائسة، على الجمع بين نقيضين: إنكار دور الفرد في التاريخ من جهة و"عبادة الشخصية" من جهة ثانية. الفرد هنا هو "المواطن" و"الشخصية" هي الزعيم الملهم والقائد. لم يزدهر الحديث عن الظروف الموضوعية التي تحد من القدرة على التدخل لصناعة الحدث إلا ورافق ذلك مبالغة تصل إلى حد الكاريكاتور في قدرة شخص واحد على التدخل من دون حدود. والكامن وراء هذه "النظرية" مصادرة حق الأفراد وتجييره لفرد، أو لمجموعة ضئيلة تحتكر القرار وتدفع شعبها دفعاً إلى "ما دون السياسة" ولعل في النداءات الدورية التي يطلقها غورباتشوف للشعوب السوفياتية من أجل أن تقتحم السياسة من جديد الدليل على حدود الدور الذي يرسمه لنفسه، وللقيادة الملتفة حوله، والمؤشر على أنه لا يعتبر "الظروف الموضوعية" حائلاً دون التدخل الجماعي ولا يعطي لهذه الرغبة في التدخل طابعاً "إرادوياً" ينكر ما يمكن تسميته، تجاوزاً، "طبيعة الأشياء".
هذان الشرطان ضروريان لوضع المفارقة في موقعها الصحيح وتقديم تبرير، لا تبرير غيره، لتناول ما يجري الآن في الاتحاد السوفياتي انطلاقاً من التعريف بالرجل الذي يلعب الدور الأساسي في قيادة الأمور.
الطفولة الصعبة
شتاء 1931 كان صعباً في الاتحاد السوفياتي. كل شتاء صعب هناك لكن هذه بالتحديد تمادى في القوة. "وصل الإرهاب الجماهيري إلى ذروته في 1931، السنة التي ولد فيها ميخائيل غورباتشوف"، هذا ما يقوله جوريس ميدفيديف في كتابه "غورباتشوف" (ص 25). عنف الطبيعة بدا محمولاً أمام العنف الذي مورس على الفلاحين في أرجاء الجمهوريات الاشتراكية وفي منطقة ستافروبول وفي قرية بريغولنوي حيث ولد غورباتشوف في الثاني من آذار (مارس).
تاريخ القرية مرتبط، بشكل أو بآخر، بالعنف. لقد بنيت في 1777 لحماية الحدود الجديدة للامبراطورية من غزوات شمالي القوقاز كما يؤكد ميدفيديف. كلا، بناها فلاحون هاربون إلى حدود الإمبراطورية من قمع الملاّك حسب ما هو وارد في كتاب الصحافي الهندي ديف موراركا "غورباتشوف". يختلف الإثنان حول أصل القرية لكنهما يتفقان على أنها عرفت أهوال الحرب الأهلية غداة ثورة 1917 وأنها شهدت، مع منطقتها، ازدهاراً نسبياً بعد 1921 في ظل "السياسة الاقتصادية الجديدة" NEP التي وضعها لينين وارتد عنها ستالين.
والد غورباتشوف عضو فاعل في الحزب الشيوعي. جده كذلك. إنها عائلة فلاحية تتعاطى بالشأن العام وتواكب سياسة التجميع الزراعي القسري متحملة، مثل غيرها، عواقبها الكثيرة.
المنطقة الواقعة عند سفوح القوقاز خصبة. تخترقها الأنهر. لكن طريقة انتزاع الأراضي من الفلاحين دفعت بهم إلى نوع من الإضراب كاد يجعل الأرض مواتاً. فسنة 1931 هي السنة الأولى للخطة الخمسية الأولى التي كان القصد منها دفع عملية التراكم الأولي إلى حدود يصبح بالإمكان معها رفع وتائر النمو الصناعي على حساب الريف. كانت هذه السياسة مطبقة (أعلى نمو في الإنتاج الصناعي للاتحاد السوفياتي تحقق عام 1931) لكنها أصبحت الآن "مخططة".
وزاد في الطين بلّة أن المسؤول الحزبي عن منطقة ستافروبول، شيبولدايف، أراد أن يلعب دور "ستالين صغير". كان عنيفاً ودموياً، كرر على مستويات دنيا، تضخيم دوره وذلك بالرغم من النتائج الاقتصادية الكارثية التي حققها (أعدم عام 1937 بصفته "عدواً للشعب").
يرجّح ميدفيديف "أن عائلة غورباتشوف تلقت، قبل غيرها، تأثير القمع". أكثر من ذلك، كان يمكن لميخائيل الصغير أن يقضي نحبه باعتبار أن عامي 32 و33 شهدا تصاعداً هائلاً في نسبة وفيات الأطفال في المنطقة إلى حد أن قرى فقدت كل أطفالها بين السنة والسنتين، سواء كانت تلك القرى تنتمي إلى الأغلبية الروسية في المنطقة، أو إلى الأقليات الإسلامية (الشركس أساساً) التي انحط مستوى دخلها إلى ما دون الفقر بكثير.
كان غورباتشوف في الثامنة من عمره عندما قدم وافد جديد لاستلام منظمة الحزب في المنطقة. إنه سوسلوف الذي سيلعب، لاحقاً، دوراً كبيراً في دفع ابن بريغولنوي إلى أعلى المناصب في الاتحاد السوفياتي.
تزامن وصول سوسلوف إلى المنطقة مع ظهور النذر بأن حرباً جديدة تدق على الأبواب. وكان يمكن لهذه الحرب أن تقع بسرعة لولا أن ستالين نجح، وببراعة يعترف له بها خصومه (راجع كتاب إسحق دويتشر: "ستالين") في جعل الصدمة الأولى تتم بين النازية وأعدائها في "الديمقراطيات" الغربية رداً على محاولة هذه الأخيرة دفع هتلر إلى البدء بضرب الاتحاد السوفياتي.
لذلك تأخرت الحرب قليلاً. لكنها انتهت بالوصول إلى المنطقة. ودخل الجيش الألماني ستافروبول في الخامس من آب (أغسطس) 1942 ليحتلها لمدة ستة أشهر وليمارس، في خلال ذلك، القمع المعروف أنه مارسه في كل منطقة احتلها وقاومته.
مع اندحار النازيين وعودة السلطة السوفياتية إلى المنطقة كان لا بد من عملية تطهير تطال الذين تعاونوا مع الاحتلال. لكن ستالين، على طريقته، لجأ إلى العقوبات الجماعية عامداً إلى نقل 80 ألفاً من مسلمي المنطقة إلى آسيا الوسطى وسيبيريا ملحقاً بهم أضراراً معنوية ومادية جسيمة (أعيد الاعتبار لهذه الأقليات في نهاية الخمسينات ولا تزال آثار تلك المرحلة، بالنسبة للتتار خاصة، من دون حل حتى اليوم).
كان غورباتشوف لا يزال صغيراً، لكنه عاش تلك الأيام بالطريقة التي يتحدث بها الكاتب فاسيلي بيكوف عن نفسه: "لم أراقب هذه الأحداث فقط، لقد اخترقت روحي الطفلة". اضطر ميخائيل أن يكبر بسرعة. لقد مات والده في 1941، ورجال العائلة الآخرون موزعون على الجبهات. لا بد من العمل إذ اً. ولا بد مع العمل من الدراسة. وهذا ما حصل فعلاً. إذ ما أن زال الاحتلال عن ستافروبول حتى استأنف الدراسة عاملاً، بصورة متقطعة، على آلة حاصدة القمح "الذي لم يسبب لي أي ضرر" كما قال لاحقاً، "بل علمني الصبر والاعتدال".
في سعيه للجمع بين الإنتاج والتحصيل كان يضطر، للوصول إلى المدرسة، لقطع مسافة 15 كلم مشياً على الأقدام وفي طقس تتراوح حرارته (برودته بالأحرى) بين 20 و30 تحت الصفر. ومع ذلك أكمل دراسته الثانوية ونجح، وهو في الثامنة عشرة من عمره، في الحصول على وسام "العلم الأحمر" للعمل قبل أن يصبح جاهزاً مع نهايات 1949 للانتقال إلى الدراسة الجامعية في موسكو.
المرحلة الجامعية
سؤال لم يجب عنه كل الذين كتبوا سيرة الرجل. لماذا اختار دراسة المحاماة؟ وطالما اختار هذا الفرع، لماذا أصرّ على جامعة الدولة في موسكو (تأسست عام 1755) وهي من أرقى وأصعب المعاهد العلمية في الاتحاد السوفياتي؟
يصعب التكهن بما دار في رأس غورباتشوف في أيلول (سبتمبر) من العام 1950 عندما وصل إلى موسكو. لكن المعلومات عن الفترة التي أمضاها في دراسة الحقوق، خمس سنوات، غير قليلة. ونحن مدينون بالقسم الأكبر منها إلى شاب تشيكوسلوفاكي كان زميله في الجامعة ورفيقه في الغرفة: زدنيك ملينار.
لقد كتب هذا الأخير ذكرياته مع غورباتشوف ونشرها في إحدى الصحف الإيطالية حيث يعيش بعيداً عن بلده. وهو يقيم في روما لأنه أحد الذين ربطوا مصيرهم الشخصي بمصير التجربة التي قادها دوبتشيك والتي عرفت باسم "ربيع براغ". ولما قطعت الطريق على هذه التجربة هاجر محتفظاً بآرائه ودب فيه الحماس فجأة مع وصول غورباتشوف إلى قمة السلطة في الاتحاد السوفياتي فوضع ذكرياته عنه في مقالين طويلين هما أقرب إلى أن يكونا "قصيدة مدح".
يؤكد ملينار أن غورباتشوف كان يقول له باستمرار "إن حقوق الكولخوز، مثلاً، منصوص عليها في كتب الحقوق فقط أما في الواقع فإن العنف اليومي هو الذي يؤطر انضباط العمل". وبما أن الدراسة كانت تتم أساساً، في كتب وضعها كبار الستالينيين فإن ابتعادها عما هو قائم فعلاً لا يعود بحاجة إلى برهان.
فور وصوله إلى العاصمة تقدم ميخائيل بطلب انضمام إلى الحزب الشيوعي السوفياتي قبل أن يصبح بعد عامين، أي في 1952 فاعلاً فيه، وفي الكومسومول تحديداً. وعام 1952 بالنسبة لحقوقي مثل غورباتشوف، هو عام محاكمة ليننغراد التي نظمها مالينكوف وأدت إلى تصفية عدد من قادة الحزب. إنه، أيضاً، عام ما يسمى بـ"مؤامرة القمصان البيضاء" أي الأطباء اليهود في الكرملين الذين اتهموا باغتيال جدانوف وحوكموا على هذا الأساس قبل أن تعلن السلطات نفسها بطلان التهمة والمحاكمة. يصعب القول، في ظل هذه الأجواء، أن الستالينية كانت تحتضر. لكن المؤكد أن ستالين كان يعيش أيامه الأخيرة. ففي 4 آذار (مارس) 1953، أي بعد يومين من احتفال غورباتشوف بعيد ميلاده الثاني والعشرين، أعلن عن وفاة جوزف ستالين. واندلع، عقب ذلك، صراع عنيف على السلطة بين مالينكوف وخروتشوف انتهى بفوز الثاني وذلك بعد تعايش دام أشهر بينهما وبين بيريا.
انتصار نيكيتا خروتشوف فتح الطريق أمام الإطاحة ببيريا الرهيب وهذا ما حصل فعلاً في حزيران (يونيو) 1953 (حوكم بيريا بعد إعدامه!).
تشكل هذه القضايا المتتالية عناصر تماس فعلية مع موضوع دراسة غورباتشوف. وعلى الأرجح أنه تابعها باهتمام، ولم يكن يشغله عنها سوى بداية العلاقة العاطفية التي شرعت تشده إلى رايسا طالبة الفلسفة في جامعة موسكو نفسها.
رايسا كامسيموفنا، أصغر من زوجها اللاحق بسنة، هي ابنة صحافي واقتصادي معروف نسبياً. وهي، فوق ذلك، من سكان موسكو. أي أنها ابنة بيئة ثقافية ـ مدينية مما جعلها تدخل بعداً جديداً على شخصية غورباتشوف (قال في 1986 إنه قرأ مؤخراً دوستويفسكي معها).
خروتشوف ونزع الستالينية
1955 يعود غورباتشوف إلى ستافروبول محامياً. الجهاز القضائي في الاتحاد السوفياتي كله مشغول بأمر واحد: التعويض على ضحايا القمع الستاليني. لكن الرجل يفضل الاستمرار في العمل الحزبي مسؤولاً عن إحدى لجان الكومسومول في المنطقة وفي ظل قيادة السكرتير الأول للمدينة فسيفولد موراكوفسكي.
ارتبط الإثنان بعلاقة متينة منذ ذلك الوقت لذلك ليس غريباً أن نعود بعد أكثر من ثلاثين سنة لنجد غورباتشوف، وقد ارتقى في سلم المسؤوليات، يستدعي موراكوفسكي لتسليمه مسؤولية المركب الزراعي ـ الصناعي الذي تراهن عليه القيادة السوفياتية لمواجهة قسم من المصاعب الاقتصادية للبلاد.
في الفترة بين 1955 و1960 كان الاتحاد السوفياتي يعيش عصر المؤتمر العشرين (56) والتقرير السرّي وتصفية الستالينية وبدايات التجربة الإصلاحية الخروتشوفية. وكان غورباتشوف يدشن عمله الحزبي الفعلي (عضو لجنة الحزب في ستافروبول عام 1956) في ظل هذه الأجواء والتغييرات الحاسمة التي عرفتها.
ولكن الموعد الأول بين غورباتشوف وقدره اللاحق كان في العام 1960، عام وصول فيدور كولاكوف، مندوباً من القيادة الخروتشوفية، لاستلام المهمة الحزبية الأولى في منطقة ستافروبول كلها. فمنذ هذا العام حتى 1978 سيرتبط مصير غورباتشوف ارتباطاً لا فكاك منه بمصير هذا الرجل الإستثنائي.
بعد سنة من وصول كولاكوف أصبح غورباتشوف في موقع يسمح له بأن يكون مندوباً إلى المؤتمر الثاني والعشرين للحزب الشيوعي. وهذا المؤتمر مهم لسببين: إنه المؤتمر الذي وضع برنامجاً للحزب الذي حرمه ستالين طيلة فترة حكمه من برنامج، وهو المؤتمر الذي نوقشت فيه "المسألة الستالينية" بصراحة وجرأة.
إنه أول احتكاك مع "عالم المؤتمر" (خمسة آلاف مندوب) أي مع "أعلى سلطة في الحزب" وأول مرة يجري تسليح المسؤولين بمادة برنامجية تصفي الحساب مع الماضي، نسبياً، وتطرح على البلاد مهمة الوصول إلى مرحلة "الاشتراكية المتقدمة" في العام 1980 (المزج بين النقد الواقعي للفترة السابقة والوعد المثالي للفترة اللاحقة).
لقد تابع غورباتشوف ذلك باهتمام، وشاهد بأم عينيه نقل رفات ستالين من جدار الكرملين وأدرك أن مرحلة انقضت وأنه مطالب بالعودة إلى منطقته لشرح مقررات المؤتمر ووضعها موضع التطبيق. والإجابة على تساؤلات لا حصر لها طرحها في التداول إقدام مجلة "نوفي مير" على نشر رواية ألكسندر سولجنتسين "يوم في حياة إيفان دنيزوفيتش".
في آذار (مارس) 1962 انتقل غورباتشوف من الكومسومول إلى الحزب وبدأ يهتم، تحت إشراف كولاكوف، بالقضايا الزراعية مكتشفاً مشاكل قيض له أن يلامسها من خلال عمله السابق. ساهم، من موقعه، في إعادة استيعاب المجموعات التي هجرها القمع الستاليني واستفاد إلى أبعد حد من الموقع الجغرافي ـ السياحي للمنطقة من أجل أن يبقى على صلة بالقيادات المركزية القادمة للراحة والاستجمام.
هذه الصلة دفعت بعض المؤرخين للقول إن غورباتشوف كان على علم مسبق بالخطة الموضوعة للإطاحة بخروتشوف. لكن القسم الأكبر منهم يرفض هذا الاحتمال مقدماً رواية أخرى.
بدأ خروتشوف، بعد المؤتمر الثاني والعشرين، يواجه متاعب عديدة. زادت المشاكل مع الفلاحين، تصاعد النقص في المواد الغذائية، اشتباك مع المثقفين عنوانه الرفض الرسمي لنشر رواية بوريس باسترناك "دكتور جيفاكو"، ارتباك في تعيين الكوادر وتهديد مستمر لإحدى قواعد السلطة بعدم الاستقرار، سوء تنظيم للوحدات الزراعية والصناعية...
ومع بداية 1964 بدأت تسري الإشاعات عن قرب الإطاحة به. ويقال، في هذا المجال، أن هذه الشائعات تحولت إلى حقيقة في أيلول (سبتمبر) 1964 عندما عقد اجتماع بدعوة من كولاكوف، مسؤول غورباتشوف المباشر، في منطقة ستافروبول لوضع خطة تنحية خروتشوف. كان مقدراً للجنة المركزية للحزب أن تجتمع في تشرين الثاني (نوفمبر) وقد تسربت معلومات أن الأمين الأول ينوي إجراء تغييرات واسعة في هيكلية القيادة وأنه سيبعد معارضيه وبينهم: سوسلوف، بريجنيف، كوسيغين وغروميكو.
اجتماع أيلول (سبتمبر) قرر تنفيذ خطة مضادة. كان خروتشوف بعيداً عن موسكو فاستدعي على عجل إليها بحجة أن نزاعاً وشيكاً قد ينشب مع الصين. كان المكتب السياسي مجتمعاً في 12 تشرين الأول (أكتوبر) حيث تم الاتفاق على معالم وشخصيات المرحلة الجديدة. وصل خروتشوف بعد ظهر 13 الشهر لينضم إلى الاجتماعات المفتوحة حيث أبلغ القرار بتنحيته ولم يتح له الاعتراض إذ كان اجتماع اللجنة المركزية مرتباً لليوم التالي. وبالفعل عقدت اللجنة اجتماعها لتنتخب في نهاية النهار ليونيد بريجنيف سكرتيراً لها ولتعين ألكسي كوسيغين رئيساً للوزراء.
الساقط الأكبر مع خروتشوف كان صديقه الشخصي ومسؤول الزراعة في اللجنة المركزية فاسيلي بولياكوف والمرشح الأساسي لخلافته هو فيدور كولاكوف. وهذا ما حصل في 1965 بانتخاب كولاكوف سكرتيراً للجنة المركزية مكلفاً بشؤون الزراعة (أصبح عضواً في المكتب السياسي للحزب عام 1971).
دور كولاكوف
مع عودة كولاكوف إلى موسكو حل محله في ستافروبول ليونيد أخريموف وهو، كما يصفه ميدفيديف، مثقف كبير، منتفح، وخبير زراعي متخرج من أحد أهم المعاهد الزراعية في البلاد.
كان أخريموف في الثالثة والخمسين عندما استلم مسؤولياته الجديدة وقد أقام علاقات جيدة جداً مع كولاكوف من جهة ومع غورباتشوف من جهة ثانية.
سمحت هذه العلاقة للقدرات الاستثنائية التي أبداها غورباتشوف أن تتحول إلى ارتقاء سريع إلى حد ما في الهرم الحزبي.
ها هو في 1966 السكرتير الأول للحزب في المدينة وفي 68 المسؤول الثاني، بعد أخريموف، عن المنطقة بكاملها. وبين السنتين حاز غورباتشوف على شهادة الهندسة الزراعية (بالمراسلة) في حين حصلت رايسا على دكتوراه الفلسفة (حول الحياة اليومية في كولخوز). دعمت هذه الشهادة موقع غورباتشوف خاصة وأن الرجل الثاني في منطقة زراعية مثل ستافروبول هو رجل يهتم بالقضايا الزراعية أساساً. وكانت المكافأة انتخابه، لأول مرة، نائباً في السوفيات الأعلى في حزيران (يونيو) 1970.
قبل هذا الانتخاب بأشهر، أي في نيسان (أبريل) شغر موقع أخريموف في قيادة الحزب. لقد استدعي الرجل إلى موسكو ليصبح عضواً في أكاديمية العلوم ذات النفوذ الكبير. وهكذا حلّ غورباتشوف أمامه مما مهد الطريق ليس لعضوية السوفيات الأعلى فحسب، بل أيضاً لعضوية اللجنة المركزية للحزب وهذا هو الأهم.
السكرتير الأول لمنطقة مثل ستافروبول تضم مليوني شخص يفترض منه أن يكون عضواً في واحدة من أعلى الهيئات القيادية في الحزب. وهذا ما حصل فعلاً في شباط ـ آذار (فبراير ـ مارس) 1971 عند انعقاد المؤتمر الرابع والعشرين.
في هذا المؤتمر صعد كولاكوف إلى عضوية المكتب السياسي ليصبح وهو في الثانية والخمسين من عمره أصغر الأعضاء سناً. وصعد غورباتشوف إلى عضوية اللجنة المركزية، ليصبح، وهو في الأربعين من عمره أحد أصغر الأعضاء سناً.
"لولا الإرادة والمهارة والمعرفة" لما ترقّى غورباتشوف. يقول ميدفيديف. ويضيف "لقد كان سكرتيراً أول متواضعاً وذكياً". ولقد ساعده في تقدمه دعم كولاكوف بالتأكيد وموافقة سوسلوف الذي يعرف منطقة ستافروبول جيداً.
عندما يستعرض ديف موراركا تجربة غورباتشوف في المنطقة يشير إلى أنها فتحت أمامه أبواب اللجنة المركزية كما أنها دعمت موقعه فيها. لقد حقق نجاحات في مجال الزراعة خاصة عندما أقدم، بحكم خبرته السابقة في الكومسومول، على تشكيل "كتائب الزراعة" التي تساعد في الحصاد وتكون مسؤولة عن قسم من الأراضي ومتمتعة باستقلال إداري ومالي نسبي. إن زيادة المحصول وتلبية حاجات الخطة، لا بل تجاوزها أحياناً، أمران لا يمكن أن يغيبا عن رؤية المسؤولين في موسكو. فكيف إذا اقترن ذلك بحملة محلية ناجحة ضد الفساد. ومن الطبيعي والحالة هذه أن يكون يوري أندروبوف الأكثر اهتماماً بما يجري. فهو "ابن المنطقة" ويمضي فيها إجازته السنوية ملتقياً، في كل مرة المسؤولين هناك، وهو، فوق ذلك، مسؤول الـ "كي. جي. بي" ومطلع، بالتفصيل، على ما يجري في سائر المناطق. لذلك وافق بحماس على تسمية غورباتشوف للجنة المركزية وقدم له دعماً ثميناً ستظهر آثاره لاحقاً. وقد تعزز هذا الدعم من التحسن المضطرد في موقع كولاكوف ضمن المكتب السياسي بفعل النتائج الزراعية الجيدة التي حققها خاصة في موسم 1973.
في هذه السنة انضم أعضاء جدد إلى المكتب السياسي: الماريشال غريشكو، يوري أندروبوف، أندريه غروميكو، وصعد نجم كيريلينكو بشكل بدا معه أنه الخليفة المحتمل لبريجنيف والمهدد الجدي لموقع سوسلوف (صانع الملوك كما يسمى!) كرجل ثان في التراتب الحزبي.
في منتصف السبعينات كانت "البريجنيفية" تدخل مرحلة الأفول. معالم المرض تظهر على الأمين العام. وسياسة "الاستقرار" التي أرادها وتجاوب الحزب، كوادره خاصة، معها بدأت تبرز آثارها السلبية: فئة جديدة في مسام السلطة وتحاول كبح أي تطور يهددها وتعرض عن التطورات الجارية في المجتمع ممتنعة عن تجديد البنية السياسية لجعلها أكثر تناغماً مع التطور الهائل في قوى الانتاج.
لقد كان واضحاً في المؤتمر السادس والعشرين (شباط ـ فبراير ـ 1976) أن بريجنيف، متكئاً على مجموعته الخاصة ضمن القيادة، ينوي دفع "عبادة الشخصية" الآخذة في الظهور نحو "آفاق" جديدة. لقد أخذ ينصب نفسه أديباً (جائزة لينين) وبطلاً للاتحاد السوفياتي تزيّن الأوسمة صدره مكافأة له على "دوره المجيد" في الحرب الوطنية الكبرى وهو دور يجمع المؤرخون على تواضعه الشديد.
يقال، في هذا المجال، إن هذه المبالغات أزعجت القيادات العسكرية لكن ذلك لم يظهر إلا بعد وفاة غريشكو صديق بريجنيف، في عام 76، وحلول الماريشال أوستينوف محله في وزارة الدفاع.
لا يجوز لأوسمة بريجنيف أن تحجب حقيقة التوازن داخل المكتب السياسي للحزب. صحيح أنه كان يستند إلى كتلة قوية لكن الصحيح أيضاً أن نواة صلبة كانت تخالفه في بعض الآراء: أندروبوف، غروميكو، رومانوف وأوستينوف. وهذا التوازن هو الذي سمح بطرح اسم كولاكوف كمرشح محتمل لخلافة بريجنيف، خاصة وأن مسؤول الزراعة كان يشرف، آنذاك، على تجربة فريدة "تجربة إيباتوفسكي" التي أدخلت أساليب جديدة جداً، ومتطورة جداً، على صعيد الاستثمار الزراعي والحصاد...
امتدح غورباتشوف التجربة الجديدة. واستلم من سوسلوف بعد ذلك بسنة (آذار ـ مارس ـ 1978 ـ معظم التطورات المهمة في حياته تمت في هذا الشهر!) وسام ثورة أكتوبر متحولاً بذلك إلى المتقدم بين متساوين في إطار اللجنة المركزية.
غير أن مفاجأة أليمة كانت تنتظره بعد الوسام بخمسة أشهر: موت كولاكوف وهو في عزّ انتصاره.
المفاجأة قاسية على الصعيد الشخصي. لكن رجلاً كانت السياسة قد عجنته مثل غورباتشوف يستطيع أن يتجاوز، ولو بصعوبة، ردّة الفعل الشخصية ليدرك أن فراغاً قد نشأ وأنه الأكثر قدرة، بحكم قربه من الراحل ونتيجة تقديره لمؤهلاته، لسدّه.
عندما وقف غورباتشوف يرثي كولاكوف في الجنازة الرسمية كان السوفيات يشاهدون للمرة الأولى، ومن على شاشات التلفزيون، هذا الوجه الذي سيصبح أليفاً لديهم بعد سنوات.
وبما أن تقاليد الحياة السياسية السوفياتية تقول إن "الراثي" هو الخليفة المحتمل اعتقد كثيرون، وقتها، أن غورباتشوف سيحلّ محل كولاكوف بدون مشاكل.
لم يكن الأمر بسيطاً إلى هذا الحد.
لقد لاحظ المراقبون أن بريجنيف وكوسيغين وسوسلوف لم يحضروا جنازة كولاكوف وبنوا على ذلك استنتاجات كثيرة. غير أن حقيقة الأمر هي أن غياب كولاكوف طرح مشكلتين: الأولى عاجلة جداً، من يخلفه في مجال المسؤولية عن الزراعة. الثانية، من يمكنه أن يكون الخليفة المحتمل لبريجنيف.
هذا الأخير كان يفكّر بخلافة كولاكوف عن طريق تعيين أحد أصدقائه، بوديل، سكرتيراً للجنة المركزية مسؤولاً عن شؤون الزراعة. لكنه لم ينجح في محاولته. لماذ؟
مات كولاكوف في تموز (يوليو). نحن إذاً على عتبة الصيف والإجازات التي يقضيها مسؤولون كبار في ستافروبول. وبالفعل وصل إلى المنطقة في آب (أغسطس) كل من كوسيغين وأندروبوف وسوسلوف وعقدوا اجتماعات مطولة بين نهاية آب (أغسطس) وبداية (سبتمبر) قرروا في خلالها دعم ترشيح غورباتشوف لخلافة كولاكوف. عرض الأمر على بريجنيف فوافق على ذلك في إطار تسوية شقها المعلن هو ترفيع قسطنطين تشيرننكو إلى المكتب السياسي (كان عضواً مرشحاً منذ 1977) وشقها غير المعلن ترفيع تيخونوف ليصبح عضواً مرشحاً في المكتب السياسي تمهيداً لتحويله إلى رئيس وزراء بدلاً من كوسيغين.
أكثر من ذلك، انتقل بريجنيف يصاحبه تشيرننكو إلى زيارة باكو بدعوة من حيدر علييف. والتقى بريجنيف مع غورباتشوف ليتعرف عليه عن كثب. (كان أندروبوف حاضراً بالصدفة!). إثر ذلك توجه كيريلينكو نفسه إلى ستافروبول وقابل غورباتشوف. والواضح أن مجموعة بريجنيف عادت، لسبب أو لآخر، مقتنعة بالتسوية الأمر الذي فتح الباب أمام تعيينات تشرين الثاني (نوفمبر).
وفي السابع والعشرين من هذا الشهر عقدت اللجنة المركزية دورة تقرر فيها ترفيع تشيرننكو إلى عضو كامل في المكتب السياسي، وانتخب تيخونوف (73 عاماً) عضواً مرشحاً وكذلك إدوارد شيفاردنادزه (سكرتير الحزب في جيورجيا)، أما الأخير في قائمة المرفعين فكان ميخائيل غورباتشوف. لقد أصبح سكرتيراً للجنة المركزية من دون تحديد واضح لحقل الاختصاص مع وجود إيحاء ضمني أنه جاء لخلافة كولاكوف في الزراعة. أهم ما في تعيينات تشرين الثاني (نوفمبر) هو أن تشيرننكو أصبح الرجل الثاني فعلياً وأن بريجنيف يرتب وريثاً يكمل "سياسة الاستقرار" التي اتبعها.
لكن ما لم يرد بريجنيف وأصدقاؤه أن يروه هو أن "سياسة الاستقرار" تحولت إلى سياسة جمود وأن السنوات المقبلة ستفاقم التفارق بين القديم الذي يحاول الاستمرار والجديد الذي يحاول الولادة.
"اليوم السابع" ـ 5 تشرين الأول (أكتوبر) 1987
|