|
جوزف سماحة
لن ننسى السبت 21 آب، لقد بدأ المقاتلون الفلسطينيون مغادرة بيروت المحاصرة بعد أن أرغموا إسرائيل على خوض أطول حرب منذ تأسيسها.
ليس الآن وقت التقييم السياسي لما جرى في لبنان هذه الأسابيع الأخيرة.
المهم هو أن جيلنا يختتم هذه الأيام مرحلة عاصفة من حياته ملأى بالدروس والعبر... والإحباطات.
نحن من جيل ولد في أعوام النكبة حوالي 1948. ودخل السياسة بعد النكسة في 1967. تجذرت مفاهيمه بعد موت جمال عبد الناصر ومجازر أيلول 1970، وخاض حرب السنتين ورأسه محشو بالتطلعات والطموحات. ثم واجه الإسرائيليين منفرداً تحت سمع العالم العربي وبصره، وودّع بالأمس الدفعة الأولى من المقاتلين الفلسطينيين، وهو يستعد ليواجه، غداً الاثنين، استحقاقاً خطيراً قد يقلب حياته رأساً على عقب.
لقد تذكرنا بالأمس، جميعاً، تظاهرات 23 نيسان، والمعارك المطلبية في مطالع السبعينات. وتجربة أيّار 1973، وانفجار حرب السنتين. وبرنامج الإصلاح الديمقراطي ومواجهة 1976، واغتيال كمال جنبلاط وغزوة 1978، وإقامة الشريط الحدودي...
وتذكرنا الأنظمة التي قامت على أنقاض النكبة ثم خانت شعاراتها، وتذكرنا رحلة التخثر لبنانياً وعربياً ونتائجها، والسجالات التي دارت (وستدور) بين التطرف والاعتدال، الواقعية واللفظية. الحرب الشعبية والحرب النظامية، إلخ...
تذكّرنا أسطورة الكفاح المسلح بعد حرب حزيران وأسطورة السلام بعد زيارة القدس واكتشفنا كم أن حماسنا البريء قادنا أحياناً إلى معادلات تبسيطية اجتاحتها الحرب اللبنانية، وأرغمتنا، من خلال هذا الاجتياح، على أن نتقدم في العمر بقفزات لها علاقة بكثافة الأحداث لا بمرور الزمن.
لقد بدأ جيلنا يدخل المرحلة الثانية من حياته السياسية، وهو أمر كان بعضنا شرع يمهد له قبل سنة أو سنتين أو أكثر...
ويجب القول إن هناك من يحاول غسل ماضيه عن طريق تضخيم حالة المرارة واليأس واعتبار أنه ودّع على الباخرة اليونانية كل تاريخه، مما يتيح له طي صفحة الماضي والاتعاظ من التجربة المرّة التي اكتوى بنارها وتعلّم منها أن لا يعيد الكرة من جديد.
هذا البعض مرّ من "الطفولة المديدة إلى الشيخوخة المبكرة" بطريقة تكرر، حرفياً، المعادلة المعروفة حول "الاكتهال" السياسي.
كما أن هناك من يعتبر أن ما جرى بالأمس، ويجري اليوم، هو فاصل لا معنى له بين عهدين. مجرّد "استراحة" يستأنف بعدها العرض السابق إيّاه. حتى لكأن ما جرى ليس سلسلة هزّات توجت نفسها بزلزال يفترض فيه أن يؤدّي إلى إعادة نظر نقدية بأمور كثيرة.
وهناك، أخيراً، من يعتبر أن ما عاشه له تاريخ وأسباب. وأن الوضع المأسوي اليوم هو استفزاز عقلي وعاطفي (حتى لا نقول غريزياً) يجعله يتمسك بالمبادئ العامة التي آمن بها بعيد اكتشاف صحتها وصوابها. ويتنبه إلى أن المجال كان مفتوحاً، باستمرار... لكي نكون، الآن، في وضع أفضل من الذي نواجهه.
قد تكون المقاومة الفلسطينية خرجت منتصرة سياسياً من هذه المواجهة. لكن الجيل اللبناني الذي تربّى معها وحولها يحسّ، إلى جانب اعتزازه بما قام به نيابة عن العرب وضدّهم أحياناً، بأنه متروك ليواجه مستقبله منفرداً.
صحيح أن السنوات الأخيرة شحذت وعيه وحولته إلى جيل حكيم ومدرّب (ونقول ذلك من غير تواضع)، لكن الأصح هو أن عبئاً ثقيلاً سيرمى على كاهله وسيكون عنوانه العريض كيفية استعادة الصلة بهذه الجماهير المنهكة والمرهقة، كيفية مصالحتها مع السياسة وتجديد انخراطها في الصراع دفاعاً عن مبادئ، لا مجال للتراجع عنها: لبنان العربي، الوحدة، الديمقراطية والاشتراكية.
كثيرون بكوا بالأمس. وكثيرون أطلقوا الرصاص. عبّروا عن سخطهم وواكبوا المقاتلين الفلسطينيين في احتفال غريب اقترنت فيه تقاليد العرس بتقاليد التشييع.
هذه الحالة النفسية الهجينة هي خليط غير مستقر من المزاج الشعبي في تظاهرات حزيران لمطالبة عبد الناصر بالبقاء ومن التفجّع عليه في أواخر أيلول 1970.
وهي موضوعة، بهذا المعنى، أمام مفترق خطير يجعل من الشرعي طرح التساؤل التالي: كيف نستبقي هذا الحشد في الشارع ونجعله يحسّ أنه يمتلكه وأنه يدافع، ببقائه فيه، عن مصالحه الفعلية ويدشّن هذه المرحلة الجديدة من حياته؟
بكلام آخر، كيف نحوّل إحباطات هذا الجيل البائس، جيلنا، إلى عناصر مقاومة عقلانية وطويلة النفس، ضدّ ما سوف يتعرّض له من تشكيك وامتهان؟
لن يكون الأمر سهلاّ بالطبع، لكنه ليس مستحيلاً بالتأكيد.
فنحن نملك من التجربة والمراس ما يجعلنا نتفاعل بأن خياراتنا هذه المرة ستكون أصحّ وأكثر دقة بعد أن كانت، في السابق، صحيحة بصورة إجمالية ومبدئية.
ونحن نملك وحدنا بين شباب العرب، قدرة الدمج الخلاق بين غرائزنا التقدمية وعقلنا الواعي، الحذر المتشكك.
لن تأخذنا الشعارات مباشرة إلى السياسة لكننا لن نتخلى عن شعاراتنا وطموحاتنا وأحلامنا.
إننا نشعر بانكسار داخلي عميق. أمام هذا المشهد الختامي للمرحلة، الأولى من حياتنا السياسية، لكنه انكسار استفزازي يؤسّس، على الأرجح، لبداية جديدة يتوجب على الجميع حسابها بجدّية.
السفير ـ 22 آب 1982
كتب جوزف سماحة هذا المقال في جريدة "السفير" خلال حصار بيروت صيف العام 1982.
|