|
كان لجوزف رأي قاطع في تحويل مقالاته إلى كتب. كان يرفض هذا التحويل متمسّكاً بأنّه كتب مقالات يوميّة يطويها عبور الزمن السريع.
حجّته تلك، فضلاً عن تواضعها، وهو تواضع لازمه في كلّ شيء، ربّما كان فيها بعض الصواب. والصواب هذا ما قد يحمل بعض أصدقائه على استنكار إصدار الكتب التي تضمّ مقالاته. فذلك، حسب ما قد يرون، يخالف ما يرقى إلى "وصيّة" غير مكتوبة.
لكنّ نشر المقالات، ضدّاً على رأي جوزف وعلى تواضعه، ينطوي على قدر أكبر من الصواب، حتّى لو خالف "الوصيّة" المذكورة.
ذاك أن الموقف و"الصحّ" و"الغلط" تحتلّ أقلّ ما يتبقّى من المقالات تلك. أمّا الذي يرسخ، أو معظمه، فالكيفيّة التي ارتسمت من خلالها عيّنة لامعة عن هذا الزمن، أو هذا الفاصل من فواصله. وفي الحدود هذه تبقى البراعة والرشاقة والذكاء واتّساع رقعة المتابعة وحسّ الدعابة والصدق في ما يُدعى إليه، فضلاً، بالطبع، عن العناوين الكبرى التي عاش جوزف في ظلّها وعشنا معه. ومثلما قيل قديماً في بني عذرة ممن نُسب إليهم الحبّ العذريّ، من أنّهم "إذا عشقوا ماتوا"، لنا أن نقول شيئاً مشابهاً عن علاقة جوزف بالكتابة وولائه المطلق لكلّ حرف يكتب. فهو، بالتأكيد، لم يقل كلّ ما اعتقده، إلاّ أنّ كلّ ما قاله اعتقده.
والحديث عن الكيفيّة ينقلنا إلى تخوم الرومنطيقيّة. فإبّان هيمنة العقلانيّة الصارمة على الوعي الغربيّ، في القرن الثامن عشر، كانت الأشياء تُقاس بما هو "صحّ" وما هو "خطأ". وكان من المستبعد جدّاً أن يُعجَب المرء بخصم له لأنّ الخصومة بذاتها تعني أن الخصم "مخطىء"، وهذا ما ينحّي الإعجاب جانباً. فقط في العصر الرومنطيقيّ، كما رأى أشعيا برلين، غدت الأمور تقاس بالكيفيّة بحيث يُعجَب المرء بجنديّ شجاع يقاتله على الجبهة، أو بصاحب رأي معاكس إنّما بارع في التعبير عنه. وجوزف، هنا، كما في حياته الشخصيّة، بطل رومنطيقيّ من طراز رفيع.
|