حلة الموقع الجديدة لم تصل، فنياً، إلى التصوّر الذي اجتهدنا لِبلوغه. المحدودية النسبية في الإمكانات، وضخامة المادّة، إلى صعوبة العمل عليها، فرزاً وتبويباً، إلى ضآلة عدد الفريق و... و...، عناصر اجتمعت في وجه المشروع الذي يهدف إلى الإضاءة على إرث جوزف سماحة الثري، من خلال نشر ما دونه القلم أو نطق به اللسان.
أما التقشّف النسبي الظاهر في صورة الموقع فمقصود، وهو تقشّف جمالي ذا أساسات نظرية مكينة، وينطلق من انحياز الى المفهوم الفنّي الذي إذ يعلي من شأن المضمون، فبالترافق مع قالب جمالي لا يقل عنه أهمية. ولدينا أنّ القالب يستتبع المضمون، ومتى توافر المضمون النوعيّ، المتوافر فعلاً، سهل الوصول الى القالب العاكس له. وهذا حتماً ما سوف نعمل، لاحقاً، على بلورته بصورة أوضح وأدّق.
ونضيف أن الجمالية لدينا عنصرٍ إضافي، لا يمكن لها أن تَحل محل الغاية. والغاية التي نسعى إليها بسيطة، كما الموقع، وتتلخص في إيجاد المُعادلة التي تسمح بالوصول إلى ثراء المادة التي خلفها لنا الصديق جوزف سماحة من دون الوقوع في براثن التكلف والاصطناع الملازمين لمفهوم إنشاء المواقع الالكترونية.
ولا شك أن في إرث سماحة، وهذا أمر مهم وأساسي، له ولنا، الكثير من الأطروحات الصالحة للوقوف على متطلّبات "حرب" العدوانيّة الصهيونيّة المعطوفة على الهجوميّة الإستعماريّة. والتي تَهدف، حصراً، إلى إدامة الإستنقاع العربي وتأبيده.
سوف نبالغ قليلاً ونقول إنها ليست مصادفة، وإن بدت كذلك. فأي مصادفة هي هذه التي أمكنها، وبكل هذا اليسر، إطفاء هذا القلب وإسكات هذا القلم؟ وخصوصاً أن "الوقائع" المتوافرة، ما سبق منها وما لحق، تذهب في اتجاه آخر، اتجاه التأكيد على أننا بإزاء "جريمة" تكاد أن تكون كاملة. فـ"الموعد" الذي استهدف جوزف سماحة في لندن، ومن دون أدنى شك، فوق طاقة المصادفة، أي مصادفة. والأرجح أنه نتيجة التدبير والتخطيط إياه، ذاك الذي مزق خريطتنا، ويحاول اليوم امتهان مستقبلنا. ولقد أصاب، هذه المرة، أيضاً، مركز القلب.
وعلى منوال المبالغة الأولى، نرى أن بين "الوعد" الذي استهدف المنطقة العربية، مطالع القرن الماضي، و"الموعد" الذي نال من جوزف سماحة، اليوم، الكثير من الوشائج، وليس المكان اللعين إلّا مسرحاً للقرار إيّاه، وربما للذريعة "التمدينيّة" إيّاها.
إنها لندن، العاصمة ذاتها، صاحبة "الوعد" الشهير... وها هي، اليوم، تعيد الكرة وتضرب، هذه المرة، بدل "الوعد"، موعداً يدانيه في الفظاعة.
ومع ذلك، وبرغم فداحة المصاب، واستناداً إلى "التفاؤل" الحاسم الذي لابس جوزف، يمكن الجزم، طال الزمان أم قَصُر، وهذا وعد معاكس، أن مصير "الموعد" الغادر، لن يكون بأفضل من مصير "الوعد"، الذي تسنّى أخيراً هزّ نواته "الصلبة"، بفعل المجابهة العسكرية والسياسية والإعلامية التأسيسية، التي خاضها "رفاق" جوزف وأصدقاؤه في المقاومة اللبنانية صيف 2006.
كان جوزف سماحة إبناً باراً للمقاومات العربية، من المقاومة الفلسطينية إلى المقاومة اللبنانية، مروراً بالمقاومة الوطنية اللبنانية. بل وواحداً من رموزها الكبار، متابعاً، في خياراته العامة، طريق ياسين الحافظ، في امتشاق الوعي المطابق، الوعي الذي يمنح الأولوية لسؤال الواقع على أجوبة الذهن، ويرى إلى الواقع من منظار وضعي بعيد عن المعيارية. والانحياز الحاسم إلى "الفكرة العربية"، تلك التي تفتحت بعض زهورها مع جمال عبد الناصر، قبل أن توأد على يد قوى الرجعية والتخلف العربي، التي تجندت لتنفيذ المؤامرات المحاكة في الدوائر الغربية، وقد لعب يومها النظام الوهابي، كعهده اليوم، الدور الأفعل، ورأس حربة المخططات.
رأى في الناصرية برنامج النهوض العربي، ووجد في مشروعها الأجوبة الصائبة على المشكلات العديدة التي تعترض تحقيق هذا البرنامج.
وانحاز الى الأسئلة التي طرحتها على الوضع العربي كله، وللتحديات التي "أثارتها مشاكل التجزئة والتخلف، التبعية والاستقلال، التحرر واستخدام الثروات، التأميم والإصلاح الزراعي، بناء القاعدة التحتية للانتاج، السد العالي وتشجيع الزراعة...". على ان وقوفه الحازم مع المشروع الناصري، لم يحجب عنه ضرورة نقد الانحرافات والأخطاء، فجعل يحمل على الأخطاء بالضراوة نفسها التي يدافع بها عن المنجزات.
نقديته الصارمة، والنابعة من وعي ثقافي حاد بأهمية النقد، كممارسة نضالية مكمّلة، تملك تصويب المسار وتصحيحه. منحت المثقف العربي حضوراً متقدماً في المشهد السياسي العربي، فازداد شأنه وتعزز موقعه، وارتقى إلى احتلال الموقع الطبيعي اللائق به، موقع الإمساك بالسياسة وتوجيهها... وحين انقلبت الأمور، وسادت الثقافة الذيلية، تراجعت السياسة، أو انعدمت، لتحلّ مكانها "سياسة" أخرى راح "يرسمها" أو ينفذها "الملوك والضباط الصغار". على أن هذا السقوط المريع للسياسة لم يأت من فراغ، بل نتج من تضافر العوامل، وفي مقدمها "البترو دولار"، ودوره الكبير في صناعة أنصاف المثقفين، و"الكلمنجية" والمرتزقة.
|