صفحة أولى مقالات الحياة لبنان 2003: زياد الرحباني أم رفيق الحريري؟

 

 

 

 

 

 

 

إصدارات

"أصدقاء جوزف سماحة"

book1

بلا ضفاف

 

book2

خط أحمر

 

book3

اليوم السابع

طباعة أرسل لصديقك

 

  

السياسي وأنظمة القيم من خلال مسرحية 

لبنان 2003: زياد الرحباني أم رفيق الحريري؟

 

 جوزف سماحة

 

 

اسمان يتردّدان على شفاه اللبنانيين جميعاً: رفيق الحريري وزياد الرحباني. لا سهرة أو جلسة أو نقاش إلا وحضر أحدهما أو الاثنان معاً. لا يدور الحوار بينهما، بل عنهما. ولا يُذكر الواحد مقروناً بالثاني. تخيّم ظلالهما، بتفاوت، على لبنان. خطّان متوازيان في الشكل. يريد الأول، كما يقول مريدوه، إنهاض الشعب وإعمار الوطن وإحياء الدولة. أمّا الثاني فيدّعي، علناً، أن الشعب مهدّد بالغرق جارفاً معه الدولة والوطن. الحريري تفاؤل، الرحباني تشاؤم، "اللبناني" تشاؤل! ففي استطلاع أخير أجرته الزميلة "الوسط" (عدد 19 ـ 25 نيسان/ أبريل) تبيّن أن "اللبنانيين يثقون عموماً برفيق الحريري لكن ثقتهم بحكومته محدودة وضعيفة ومهزوزة". قال 74.4 في المئة منهم إن الخدمات العامة لم تتحسن منذ خمسة أشهر (عمر الحكومة الجديدة)، و66.6 في المئة إن الأمن الداخلي غير متوافر، و62.5 في المئة إن الفساد يزداد. وفي المقابل أكد 74.8 في المئة أنهم "متفائلون بالمستقبل". حاول أن تفهم! يذكّر ذلك بواحدة من ملاحظات زياد الرحباني الشهيرة في مسرحية سابقة ("فيلم أميركي طويل") حول الثمانين في المئة من اللبنانيين الذين يقولون الشيء وعكسه. لم يكن غريباً، والحال هذه، أن يقود العجز عن حل هذا الإشكال إلى الجنون. هذا ما حصل في المسرحية السابقة إيّاها حيث تقمّص زياد شخصية رجل لا يستطيع ضبط أعصابه أمام المفارقات. اكتفى، يومها، بأن تصدّى لمواطن وضربه لأنه اكتشف في مشيته المتواضعة إشارة واضحة إلى أنه يحمّل «المسؤولين» تبعات الحرب ويعتبر الشعب بريئاً من كل ما حصل ومجرد نعجة سيقت إلى الذبح. "طار عقله" بالمعنى الفعلي للكلمة، ثم جاءت الأحداث لـ"تثبت صحة تحليلاته". المسرحية الأخيرة "بخصوص الكرامة والشعب العنيد" هي ثمرة العمل الدؤوب لتلك الشخصية التي تسعى إلى توزيع آخر للمسؤوليات.

الفصل الأول كناية عن مشاهد من الحياة اليومية للبنانيين في العام 1998 وما تلاه. مشاهد تثبت أن أمراضهم السابقة والحالية تضخّمت إلى حد باتوا معه عاجزين عن إخفائها. كل لبناني مريض. هذا تنميط ولكنه مقصود. غلبت العاهة قدرة أي شخص عن إدراجها في سياق يسترها. الإنسان حيوان معقّد كما يقول أحدهم. ولكن المريض هو مَن غلبت عقدته كل ما عداها وتحكّمت به. الصراف نصاب. والتاجر سارق. والنجار كاذب ووقح. والبائع محتال. والمسلح مسدس قاتل. واليائس ميؤوس منه. والإعلام مبتذل. أخو الشهيد أخو ـ الضابط مهووس بحل المشاكل الصغرى. والمقنّع مهووس بمطاردة شواذ الكلام. تلفونات الخلوي في كل يد. وإعلانات تحاول توظيف التقدم لحماية التخلّف. آلة معدنية راقية لتنقية ـ العدس!

لغة التكاذب والنفاق سائدة والمسلم والمسيحي يتعانقان حتى التقيّؤ (وإلا ما معنى تشكيل "حزب مسيحي" من أجل تنظيم المصالحة مع "المسلمين"، وما معنى دعوة الطوائفيين جميعاً، أو أكثريتهم إلى إلغاء "الطائفية"؟). نماذج نمطية تشكل مجتمعاً سائراً نحو الانحلال والسقوط. تدخل الكاميرا السريعة شارعاً يعج باللبنانيين وتتوقف لثوانٍ عند كل واحد أو عند كل حالة. لا تبرز اشخصيات. لا ضرورة، أصلاً، لها. المهم هو تشكيل هذا "الكل" المبعثر. مثل لعبة "ليغو" لا قيمة لأي قطعة بذاتها ولا معنى إلا للحصيلة النهائية.

تتقاتل بقايا هذا المجتمع من أجل البقاء. تظهر دببة وقرود. ينبت ريش وقرنان. وتظهر كتلة همجية بالكامل تهدد هذه "البقايا" بالفناء، ولكنها لا تردعها عن أفعالها. وصل الانحدار إلى حيث لا فائدة من أي علاج. فالج. كانت المحاولة الأخيرة للإنقاذ تنقية لغة الشعب المهتم بتنقية العدس. تبرع مقنّع لفعل ذلك. وهو مقنع، بالضبط، لأنه يخشى على نفسه من ردة فعل "الشعب العنيد". وضع قاموساً بالكلمات والمصطلحات المستخدمة واستعمل "الكومبيوتر" لجلاء الحقيقة. معظم ما يقوله لبناني للبناني في العلاقات التفصيلية هو إمّأ كاذب أو خاطء أو غير قابل للترجمة. حاول الجهاز أن يقول لمحاوريه معنى كلامهم، وحثّهم على قدر من العقلانية والصراحة (في حواراتهم ومعاملاتهم)، لكنه تعطّل لسبب تقني. وفجأةً تحوّل "الخطأ الفني" إلى إزاحة لآخر الحواجز من درب الانحطاط الكبير. تخيّلوا شعباً تخرجه البدائية من التاريخ بسبب انقطاع سريع في التيار الكهربائي! يعني ذلك أنه كان على أهبة المغادرة فتعرّض لمساعدة بسيطة لإتمام هذا الإنجاز! وعلى رغم ازدياد الخطر، مع ظهور "القوى الهمجية"، لم يتغيّر شيء في سلوك أحد. إنه أمر مخجل حقاً يستأهل، لو حصل، أن يصرخ كثيرون مع زياد الرحباني: "يا أرض انشقّي وابلعيني". المهم أن تتجاوب الأرض. وقد فعلت.

 

ردة الفعل الشعبية

زياد الرحباني خفيف الظل عفوياً. ولكنه يحتاج إلى قرار حتى يكون مزعجاً. وهو عندما يضيف موهبته الخام إلى قرار الإزعاج يصبح، بالفعل، "لا يطاق". وإذا كانت مسرحيته تشترك مع الشارع البيروتي في الضوضاء والزعيق، فإنها "تتميّز" عنها بأنها المكان الوحيد الذي يشهد اشتباكات يومية وإطلاق رصاص، وهذا، كما يبدو، "لا يطيقه" اللبنانيون. تتجهّم الصالة عند بدء الاقتتال ودويّ الرصاص. يتناسى المتفرجون أنهم منقسمون مناصفةً تقريباً بين قادمين من "الشرقية" وقادمين من "الغربية"، وأنهم أمضوا سنوات من عمرهم يتبادلون القصف المدفعي من العيارات كلها. رصاصة خلّب تقلقهم والواحد منهم جالسٌ قرب آخر يتمنى له الشر كله. يتظاهرون بنسيان الماضي ويخافون من احتمالات المستقبل. ومع ذلك يبتسمون أمام تفاهة الإعلانات المعروضة عليهم، وابتذالها، ولا يتوقفون عند التفارق الذي لا رجعة عنه بين تخلّع البلاد وتعرّض أطرافها لكل أنواع الحروب الممكنة، وبين همومهم "البلدية" المباشرة التي تقف عند حدود الخدمات. قد لا تكون هذه هي الحال، اليوم، ولكن ما يجري في لبنان يؤسس لمستقبل تصبح فيه الدولة "بلدية كبرى" وتتراجع الطموحات إلى حد يصبح معه "المطلب الشعبي" الأول أن تقوم هذه "البلدية" بواجباتها.

الشائع في بيروت أن "الناس لم يحبوا المسرحية". ذهبوا لحضور حفلة مزاح على مسؤوليتهم، فإذا بهم، هم، محل النقد الجارح والجذري. كاد كل مشاهد يتعرف على نفسه في دور، حتى بات رقيباً على جاره مخافة أن يضحك منه وعليه. لا مجال في «بخصوص الكرامة والشعب العنيد» للتنفيس عن النفس وإطلاق الضحكات التي تحرر وتسمح للحياة أن تستعيد مسارها، كأن شيئاً لم يكن. تكون الابتسامة صفراء أو لا تكون. أما إذا اختارت لوناً آخر فالأسود. إنها مسرحية لا يقهقه منها إلا البريء. إنه الوحيد القادر على أن يكتشف وراء الكراهية المزعومة هذه عمق محبة زياد الرحباني للبنانيين وعتبه علهيم وغضبه منهم. إنه مزعج بقدر الإزعاج الذي يتسبّب به مَن ينبّه غافلاً، أو مَن يحمل مرآةً صافية. ولكن التجربة تعلّم أن "اللبناني" يرفض بشاعة صورته المرتدّة إليه: هل نحن هكذا؟! أسوأ، يقول زياد، من دون رأفة.

لقد عاش المخرج اللبناني العامل في فرنسا، مارون بغدادي، تجربة مماثلة. أنكر عليه شعبه في الاغتراب حقه في تقديم صورة معينة عن "اللبناني" في باريس. كان الوقت وقت الرهائن والمخطوفين ومجازر المخيمات وزرع القنابل في المحلات الشعبية في العاصمة الفرنسية. وكان النموذج اللبناني الإعلامي يتراوح بين الإرهابي والمهرّب والنصّاب (لا ضرورة لذكر الأسماء!)، فاستكثر "الشعب العنيد" إعلان الفضيحة، مخفّفة، في فيلم سينمائي، علماً أن التلفزيون الداخل في كل بيت كان يعتاش على ارتكابات اللبنانيين. لقد سبق لزياد الرحباني أن ضرب من ضبطه متلبّساً بجرم التفكير بأن "الشعب مسكين". أنت وشعبك مسؤولان وربما كانت الدولة أرقى منك ومنه. حصل ذلك قبل أن يسفّ مصطلح "المجتمع المدني" إلى حيث وصل إليه في استخدامات مَن يورده في كل مناسبة، معتقداً أنه وجد طلسم البؤس الذي سبّبته الدول لشعوبها! ماذا إن كانت الدولة اللبنانية، على ما يقال فيها، أرقى من الشعب اللبناني؟ هذا هو السؤال العميق الذي يطرحه الرحباني على مواطنيه.

 

الموقع الملتبس

إنه يملك جواباً. والخوف هو أن يثبت، مرة أخرى، قدرته على التوقّع. بعد "نزل السرور" وقعت الحرب. وبعد "شي فاشل" عجز البلد عن النهوض. في "فيلم أميركي طويل" جنّ ممثل الحركة الوطنية اللبنانية بعد أن عجز عن توقّع أي شيء. كانت الفكرة أن يجنّ، هو أو غيره، من كثرة نجاح توقعاته فينتابه شعور أنه مسؤول عن الكوارث التي تقع. زياد الرحباني هو مثل الحيوانات التي تحس بالزلازل قبل وقوعها. رأى الأزدهار الذي يوحي بالتقدم نحو رفاهية معمّمة فتحدث عن الخراب الآتي. وفيما اللبنانيون يضحكون ملء قلوبهم أخذهم الاقتتال على حين غرّة. رأى خلاص لبنان من "الغرباء" واستعادة الدولة لجوزيتها فاعتبر أن هذا "شي فاشل". أشار، سابقاً، إلى أن الاستئثار أو الطوائف عوائق أمام "الوحدة الوطنية"، لكنه أسّس لوعيٍ جديد يعبّر عنه اليوم. المشكلة الطائفية محلولة في العناق المبتذل وفي "القمع اللغوي"، والجيوش الأجنبية انسحبت كلها، والدولة، على صورة الضابط المتحمّس، لا تجرؤ على القمع وهي متهمة عندما تلجأ إليه، ومع ذلك "تمدّد" الأفراد ليعطل كل واحد منهم في وظيفته الاجتماعية، وانطلاقاً منها، بناء الدولة العصرية والعادلة. تنشأ هذه الدولة على الهوامش التي تركها لها "احتلال" دورها من قبل المواطنين ولكنها تعجز عن كسر فردياتهم ودفعهم نحو مشروع وطني كبير.

امتلأ الفراغ الذي أحدثه تغييبها، فلا عودة لها إلى دورها الخدماتي ولا عودة، طبعاً، إلى دورها السيادي الأصلي. وحيث عجزت الميليشيات عن الدفاع عن دورها في تعويض الغياب الرسمي نجحت... "أوجيه"! يتحدثون في العالم كله عن اعتداء الدولة على حقوق المواطنين (التقارير في هذا المجال لا تحصى!) إلا في لبنان حيث الواجب تحصيل حقوق الدولة من المواطنين!

يمثّل زياد الرحباني موقعاً معقداً (حتى لا نقول ملتبساً). فهو يريد دولة حتى يعارضها (وين الدولة؟) ويريد شعباً يعارض به ومن أجله (وين الشعب، ما في شعب؟). والواضح أن مشروع بناء الدولة الجاري تنفيذه حالياً لا يغريه طالما أن ثمّة ما يميّز بين إعادة بناء الدولة وإعادة بناء الوسط التجاري. كان في وسعه أن يركز نقده المباشر على ذلك، ولكنه اختار الحل الآخر. توجيه النقد إلى اللغة، وأسلوب التخاطب، والسلوكيات الاجتماعية، وطرق التفكير والتصرف، من أجل القول بأن المشروع السياسي مقصّر عن تقديم حلول لها، وعن إجراء التغيير الجذري فيها. لا يعني ذلك أنه يريد "دولة أقوى". إنه يريد "دولة أخرى". ولكن هذه "الدولة الأخرى" لا يستقيم قيامها مع الحال السائدة. لذلك فهو لا يتردد في الذهاب إلى الالتباس حتى النهاية وفي اختيار زاوية للمعالجة يمكنها أن تثير ضده، في آن معاً، غضب "الشعبويين" وغضب المروّجين لهذه الطريقة المتبعة حالياً في النهوض الوطني.

 

"الحكواتي" البليد

لقد ذهب زياد الرحباني في "بخصوص الكرامة والشعب العنيد" عكس ما ذهب إليه المسرحي (رغماً عنه!) روجيه عساف في "الحكواتي". لقد مجّد هذا الأخير لغة الشعب واعتبر أن ما ينطق به هو عين الصواب متجاهلاً كم يمكن لـ"اللغة الشعبية" أن تكون مثقلة بكل ما يخون مصالح أصحابها. والسر في ذلك أن عساف يلهث وراء دفء العلاقات الأهلية. وهو قادم إلى "الشعب" و"لغته" من موقع الذي يدّعي التوبة والندم على انتمائه. إنه يقوم بزيارة إلى الجماهير فيفرض على نفسه الأدب واحترام أصول الضيافة في نطقه ولبسه وأكله وشربه. وبما أنه لا يملك ما يحاكم به لغة مضيفيه فإنه "يترك" لهم "حرية" الكلام والتصرف على هواهم. لا يستطيع عساف "رفع الكلفة" بينه وبين الذين يجاهد للانتماء إليهم. لذلك يكتفي بمساعدتهم على تنظيم "فولكلورهم". أما زياد الرحباني فمسألة أخرى. ابن شارع، أزعر، يحفظ عن ظهر قلب لغة "الناس" ولا يخشى، عند الاستفاضة في عرض حياتهم. التنبيه إلى التفاهات فيها. يمون عليهم لأنه، بمعنى ما، منهم. لا يحتاج إلى ادّعاء في هذا المجال ولا يحسّ بعقدة ذنب. لقد سبق لهم أن استعاروا منه ما أدخلوه في كلامهم. فمن حقه، بالتالي، أن يطالب باسترداد الدين. الطريق بينه وبينهم سالك على خطين. أخذٌ وعطاء (مصاري!) يسمح لنفسه بما لا يمكن لروجيه عساف أن يفعله لأن الثاني، ببساطة، لا يستطيع ذلك، حتى لو لبس قناع رفيق علي أحمد.

لا يسخر روجيه عساف من "الشعب العنيد" لأنه يريد أن يكون عضواً في "الشعب العظيم". أما زياد فلا يحتاج إلى بطاقة انتساب لأنه، بالضبط، يريد لهذا الشعب أن يكون "عظيماً"، ولأنه يخشى عليه فقدان الفرصة تلو الأخرى. "حكواتي" عساف تثبيت للبلادة بصفتها الإنجاز الأكبر الذي حققه اللبنانيون. "بخصوص الكرامة..."، تحذير لهم من اعتبار نواقصهم إيجابيات، كما يريد لهم أن يفعلوا "الزائر المقيم" روجيه عساف.

قرأ كثيرون هذا الوجه من زياد الرحباني بصفته دعوة إلى قيام دولة تؤدّب الشعب وتتقوّى عليه. لم ينتبهوا إلى أنه يؤكد على أن "قيام شيء اسمه الدولة هو شرط حتى تقوم ضده، وإلى أنه يعترض على ما هو جارٍ حالياً من زاوية أن "الدولة أخلاق".

 

التفاؤل "الحريري"

للفتور في استقبال "بخصوص الكرامة والشعب العنيد" علاقة مباشرة بالمزاج الشعبي في هذه المرحلة، فضلاً عمّا سبقت الإشارة إليه من رفض لـ "الصورة المرتدة". لقد عاش اللبنانيون تفاؤلاً مبالغاً فيه. صحيح أنه يتراجع أمام الصعوبات التي تواجهها الحكومة وأمام بعض تصرفاتها أو اضطرارها إلى التواطؤ مع قوى داخلية وخارجية، لكنه موجود، ولا شك في أن قسماً كبيراً من اللبنانيين يعتبر رفيق الحريري المنقذ الوحيد الذي تحاك حوله الأساطير ويتعلق به شعب أنهكته سنوات الحرب وخواء الطبقة السياسية. لقد قيل إن هذه هي "حروب الآخرين على أرضنا" فلماذا عدم الرهان على "إعمار الآخرين لأرضنا"؟ هم خربوها فليبنوها. إنه فعل تبرئة جماعية للنفس يتحوّل بسرعة إلى استقالة جماعية من المسؤولية. لم تلعب "أمراضنا" أي دور في ما حصل فلا مبرر، بالتالي، لأن نغيّر شيئاً في نفوسنا. الحرب كرة قذفها لاعب إلى الآخر من فوق رؤوسنا وما علينا إلا أن نشاهدها عائدة وقد تحوّلت إلى إعمار. مررنا في الحرب "ترانزيت". ليست مطهراً نحو الأفضل. إنها حدث برّاني، ربما كارثة طبيعية. أبنية مهزومة فوق رؤوس شامخة. من العبث المواجهة الجارحة للنفس وتحمّل المسؤولية عن حصة في ما جرى. شاء سوء الطالع أن تحصل حروب عندنا وبيننا فلمَ لا يشأ حسن الطالع أن يحصل إعمار بأموال المساعدات والقروض؟ الخارج يدمر والخارج يبني ويبقى الداخل بمعزل عن كل سؤال. يستطيع الحريري إصلاح ما أفسده الدهر. "إصلاحنا" لا مبرّر له لأن لا فساد فينا. نكتفي بالتفرج ونعد بعدم العرقلة ونحاسب على كل تأخير.

يستبدّ غنجٌ طفوليّ باللبنانيين، يجعلهم ميالين إلى الإنقاذ المجاني أكثر منه إلى المحاسبة المضنية. وفي سياق ذلك تنقلب المعايير والقيم. بات المطلوب (كلمة لا يحبها الرحباني كثيراً) أن يخجل الشهداء من موتهم. الأبطال الجدد وممثلو أخلاق المرحلة هم أصحاب الربح السهل والسريع، الأنانيون، الراغبون في الوصول، الرسل الجدد لـ "المعجزة اللبنانية" إيّاها. يحتاج هؤلاء، طبعاً، إلى تغطية أخلاقية لـ "المشروع الكبير" الذي يحملون، وقد وجدوها بسرعة: نظافة السجل العدلي، أي الحد الأدنى من شروط المواطنية، أو الحد الأقصى من الإجرام الذي أوصل كثيرين إلى حيث هم، اليوم، في هرم السلطة.

يصعب، في هذه الأجواء، التصدي للتفاؤل الذي تشيعه "الحالة الحريرية"، في لبنان، ولو كان التصدي من أجل التنبيه إلى وجود احتمالات أخرى.

أعلن في بيروت، غداة بدء عرض "بخصوص الكرامة والشعب العنيد" عن وجود خطة حكومية هدفها الأساسي "الإعمار والنمو المتوازن وأخيراً رفاهية المواطن". تتضمن بنوداً عدة حول استثمار القطاع العام، الذي سيؤمّن البنية التحتية المالية من كهرباء واتصالات ومياه وصرف صحي ونفايات وطرقات ونقل مشترك ومرافئ ومطار، فضلاً عن "تنشيط القطاعات الإنتاجية من زراعة وصناعة وخدمات وسياحة"، وذكر أن كلفة المشروع هي، في حدود العشرة بلايين دولار لعشرة أعوام 1993 ـ 2002... إلخ.

في المشروع تفاصيل عن "خلق البيئة المواتية لتدفّق رؤوس الأموال الخاصة من الخارج"، و"تحقيق التوازن بين إيرادات الدولة ونفقاتها، وتنظيم الاستقراض الداخلي والتمويل الخارجي، والحجم المتوقع للدين العام وكيفية سداده"، إلخ...

نتوقف، في هذه الخطة، عند موعدها الختامي: عام 2002، مما يعني أن لبنان سيدخل العام 2003 وقد داوى، إلى حد بعيد، آثار الحروب التي تعرّض لها. الخطة متواضعة وطموحة في الوقت نفسه، ولكن مجرد تداولها والنقاش حولها والردود عليها، دفاعاً أم نقداً، تقود إلى إشاعة جوّ من التفاؤل البهيج. لا يفهم المواطن العادي شيئاً من الأرقام، ولا يدقّق فيها، غير أنه يرضى أن تمار سحرها عليه ويكاد يصل إلى حد اقتطاع حصته الشخصية منها. لا ضرر في ذلك. ولكن ثمّة خطراً مؤكداً في أن تكون الخطة "فقاعة" سهلة الانفجار. إذ لا أبشع من مواطن ملوث ببقايا آماله وطموحاته، ولا أكثر منه عدوانية. لا يعامل مَن خدعه بصفته المسؤول بل يصب غضبه على مَن ثقب "الفقاعة" لتطاير جوفها لتوسيخه.

 

زياد أم رفيق؟

2003، إذاً، ينتهي ما قبل التاريخ اللبناني، إذا صدقت الخطة.

2003، يعود لبنان إلى ما قبل التاريخ، إذا صدق الرحباني، إذ تشاء الصدف أن تكون وقائع "بخصوص الكرامة والشعب العنيد" مستمرة "الجريان" حتى ذلك الموعد، حين يقفز لبنان قفزته الحاسمة نحو ـ البدائية!

قال زياد الرحباني، الذي يعتبر صديقه جوزيف حرب مسرحيته بمثابة "إنذار إلى الشعب اللبناني"، أنه يتمنى "ألا تجري يوماً أحداث هذه المسرحية"، مستدركاً "إن إشارات وإرهاصات عدة توحي بأننا، وبإذنه، نسير في هذا الاتجاه"، ولكن المشاهدين يرفضون أخذ كلامه بحرفيته. يلومونه لأنه "يصبّ مياهاً باردة على رؤوسهم الحامية" ولأنه يعاملهم مثلما عومل به "اليائس" في مسرحيته: أوقف على حاجز وجرى اغتيال طموحه أمامه! قد يرد زياد قائلاً إن ما يحاول اغتياله هو الأوهام، والعيوب، وأن قصده لا يتجاوز التحذير، ولكنه يجد صعوبة في إيصال رسالته إلى قوم لا يطيقون أن ينقل إليهم مرارة شعوره بسقوط، أو بالأحرى تراجع، أحلامه الكبرى بالخلاص الكوني.

لا جدوى من أي رهان حول "لبنان 2003". هل تنتصر النظرة الإرادوية "الحريرية" أم النظرة "الأورويلية" الرحبانية؟ قد تكون الحقيقة مزيجاً من الاثنين، غير أن المسرحية المعروضة، اليوم، في بيروت، أظهرت كم تفتقر مشاريع الإنماء والإعمار إلى روح حقيقية، كم أن أرقامها ميتة، كم أن الفرق كبير بين بناء وطن وبناء أسواق، كم أن النهوض يحتاج إلى مشروع لا تختزله الأصفار المتراصّة جنب بعضها والتي تلمع مثل سراب خلاّب (مصاري!).

لا يشكك الرحباني في إمكانية الخلاص فحسب، ولا يقدم مطالعة ضد "الجدوى الاقتصادية" للمشاريع المطروحة في لبنان. إنه يسخر من القيم الضمنية الجاري تعميمها حالياً، ويفعل ذلك على لسان الشخصية التي اختار لها اسماً ذا دلالة: مصاري (نقود). ننقل هذا المقطع مع الاعتذار عن طوله، وعن عاميته:

مصاري: لي سيدنا؟ كل حديثهن في مصاري. حتى وهني عم يحكو شي ما دخلوا بالمصاري، في كلمات كلها مصاري.

الضابط: وإذا، انت ما تتعاطى مع حدا وحاج تقول "مصاري"!

مصاري: ولك يا عمي، شو طالعلي منك، شاريهن للجماعة، بيعها! بيعو! قطعلوا! بضهر البيعة، بالجملة، طول بلا غلّة، شو دخل الطول بالغلّة؟ "مصاري"! (...) مش قابضني جد، قبّضوا اياها: حاكاني سلف، بيسلّف هم، بيحكي بالتقسيط، خود واعطي! الغالي بيرخصلك، انت غالي وطلبت رخيص، شو هيدا؟ مصاري! شو بدك تكلّفني، بيروحو فرق عملة، ما بيسوى فرنك، راحو فراطة. ليك هالكلمات: غالي عاقلبي، قال، مين؟ الله يوفّيك تعبك، خدلك... مصاري! وحياتك عالغالي سيدنا شايف، دفع حياتو ثمن لوطنو. معقولة هالكلمة؟! دافع دم قلبو، كسبنا شوفتك، شو بوكر هيّي؟ كلنا عاحسابك، محسوب عليك.

الضابط: ولاه!

مصاري: شو إلك معي، مركّب سنان عياري، شو العياري، يعني دَيْن، والدَين شو: مصاري! عمول حسابك تمرق، شو بيقللو هيداك: حَسَب! مين حسب؟ أيّا ساعة لحّق قعد وحسب، شو بتخسر إذا مرقت، لو ما حكيت كنت غنيت. هه! مصاري...

يرن هذا الكلام رنّاً في لبنان، ولرنينه وقع خاص نابع من أنه الصوت الوحيد في هذا البلد المنكوب الذي يخلط بين خلاصه وبين تضخيم العاهات التي كانت تضربه قبل الحرب والتي يعتقد أنه سيقفز فوقها ليستأنف "حياته" من حيث انتهت عام 1975 حين حلّت عليه لعنة غير مفهومة.

يطالب زياد الرحباني جمهوره أن يراقب نفسه، هنا والآن.

في نهاية الثمانينات كان هذا الجمهور ينظر إلى المستقبل بعيون سوداء وينتابه حنين شديد إلى ماضٍ يعتبره زاهراً. كانت فيروز ترمز إلى هذا الحنين واللبنانيون يطالبونها بأن تغنيه لهم. يومها أقدم زياد على مغامرة. أعاد توزيع أغنيات معروفة جداً وحاول "فرضها" على رغم الأشياء. "الشعب" يريد الماضي وكل مشروع تغييري، مستقبلي، هو مثل المشاريع السياسية المشابهة، مشبوه ويقود، حكماً، إلى مزيد من الخراب. قال زياد، على طريقته، إن العودة إلى الماضي غير ممكنة في رأيه، مهما كانت الرغبة قوية في ذلك.

اليوم، 1993، ينظر الجمهور، إياه، إلى المستقبل بعيون ملؤها التفاؤل. وإذا بزياد يصدمه ثانيةً بالقول إن المستقبل قد لا يكون كذلك. طريق العودة مقفلة، ولكن طريق المستقبل صعبة السلوك من دون إشارات سير. إنه ينتدب نفسه، لا لكي يكون ضابطاً، بل لكي يكون شرطي سير. قد يصيب، وقد يخطئ، ولكن المعرفة الدقيقة بالنفس، هنا والآن، هي الشرط الأول لأي مشوار طويل.

جوزف سماحة

 

========================

 

عيّنات نقدية

 

هذه "عيّنات" من التعاطي النقدي مع مسرحية زياد الرحباني الأخيرة "بخصوص الكرامة والشعب العنيد".

 

ـ "هذه المرحلة التي يمر بها لبنان، هي مرحلة سلام واستقرار عسى أن تبقى وتستمر... عناوين المسرح تختلف اليوم... أصبحت أكثر ملائمة لأجواء السلام... حتى جاءنا الفنان زياد الرحباني، وبعد غيبة طويلة، بعمل مسرحي جديد... نتمنى عملاً يعالج حالة اجتماعية معينة بعيداً عن "الزكزكات" السياسية، وأن تكون، كما وعدنا زياد الرحباني، مسرحية كوميدية مسلية تزيل الهم عن القلب من دون اللجوء إلى تذكير الناس بما مضى". ("أمواج"، آذار ـ مارس ـ 1993).

 

ـ "سيفاجأ الجمهور بالعرض الجديد الخالي من الأغاني والموسيقى الشعبية والقائم على الرموز والفانتازيا والتجريب الذي يميل إلى المفهوم الحديث للمسرح... الوطن الذي يرسمه في مسرحيته يختلف عن الوطن الذي رسخه الرحبانيان عاصي ومنصور في أذهان جمهورهما... وطنه أقرب إلى الواقع من الوطن الرحباني. وطنه حقيقي في تناقضاته وناسه وشروره وتطلعاته وأحلامه... لا يحاول التوفيق بين الواقع والوهم، بين الحلم والحقيقة بحثاً عن صيغة ممكنة... وطن مهدد في مصيره ومستقبله إذا ظل قائماً على الكذب والاحتيال واللامبالاة والتزوير والفساد، أي على روحية الشعب العنيد". (الزميل عبده وازن. "الحياة" ـ آذار ـ مارس).

 

ـ "يتناول زياد الرحباني بالنقد الساخر واللاذع سلوك اللبنانيين مواطنين وحكاماً على المستويات الاجتماعية والسياسية". (الديار". 25 شباط ـ فبراير).

 

(هذا "نقد" سابق على عرض المسرحية ورواية "النقاد" لها. هناك من تحدث عنها انطلاقاً من كلام زياد الرحباني عنها),

 

ـ "تحدث زياد فكان حديثه جرعة مكثفة من الإحباط واليأس و"القرف" من كل شيء. ومن المفزع حقاً أن يتحدث فنان بمثل هذه الروح العدمية... إذا كانت مسرحيته الجديدة في هذا الاتجاه العدمي فإننا نخشى أن يجد زياد الرحباني نفسه يندفع في الاتجاه المعاكس لحركة المجتمع في لبنان. فالشعب اللبناني (العنيد حقاً) يتطلع إلى المستقبل الآن بروح التفاؤل بعد سقوط أوهام كثيرة في الحرب الطويلة البشعة وعلى الفنان أن يلعب دوراً يشجع على إعادة الأمل". (عبد الكريم بيروتي. "فن" ـ آذار ـ مارس).

 

ـ "زياد يقود عكس التيار بدعوته المستغربة إلى اللبنانيين لوضع حد لحياتهم تخليصاً للعالم منهم ومن سلبياتهم، وذلك في وقت ينتعش لبنان تدريجياً ويضع نفسه على سكة السلام بثقة... الشخصية اللبنانية عاشت في زمن الموت وزياد يريد لها الموت في زمن السلام... هناك حقد على كل شيء وعدم اقتناع بشيء... من يقبل هذا النعي من زياد؟ هل يطلب منا، نحن الخارجين من حرب شرسة مدمرة، أعدنا توحيد الأرض والشعب ونقيم ورشاً للبناء في كل مكان واستأنفنا حضورنا الإبداعي والديبلوماسي، أن نمهر توقيعنا على آخرتنا". (محمد حجازي. "الشراع").

 

ـ "ما هو مبرر هذه العبثية... لا نوافقه في الهدم اللامبرر... لا يجوز التغاضي عن الجماليات الموجودة في مجتمعنا والاكتفاء فقط بعرض السلبيات أو تقويض دعائم الوطن لتبرير الثورة". (فارس الجميل. "سحر").

 

ـ "لا يزال عاجزاً عن قبول الواقع الجديد لـ "الاتحاد السوفياتي"... عبثية ترفض التعاطي إلا بسوداوية تطأ حدود النيهيلية. لبنان في مرحلة دقيقة بين الحرب والسلم، واللبنانيون هم أحوج ما يكونون إلى ما يبنى عليه ولو حبة رمل". (ج. ع. "الحسناء").

 

ـ "نجد الكثير من التجني على شعب بكامله. كم من السوداوية والقتامة وانعدام التفاؤل... لماذا السخرية من عناد شعب سارع إلى التكيف مع أجواء السلام إيمانا بأن البلاد استعادت صورة من صور الماضي الزاهر... على ماذا أسّس ليخرج علينا بورقة النعي التي تعلننا أمام العالم شعباً يستأهل مواراة الثرى كحل وحيد لتخليصه من الشوائب المميتة". (محمد حجازي "الحسناء". إنه "الشراع" سابقاً وغيرها لاحقاً).

 

ـ "ما تحمله قراءة زياد الرحباني لواقع الحال اللبناني من قصور ومغالطات نتيجة منطقية لانعزاله عن الشارع اليومي... انقلب من ناطق باسم أوجاع الناس ومراراتهم وانكساراتهم إلى ساخر من هذه الأوجاع وكأنه لم يلتقط بعد مقدار التحول الذي طرأ على المزاج اللبناني ولا التغيرات العميقة فيه... اللبنانيون، اليوم، فيهم ميل عميق جداً إلى الدولة وإلى النظام والقانون، إلى الوطن الحقيقي إلى جدية العيش. مأزق "بخصوص الكرامة..." إنها لم تلتقط نبض الناس ولم تسخّر من أجلهم، إنما سخرت عليهم. وهل يحق لمن استمر ونجح بحب الناس أن يسخر منهم إلى هذا الحد؟! يكون الحزن عميقاً حين لا يكون زياد الرحباني والمسرح إلى جانب الناس حين لملمة الجراح والركام". (زاهي وهبي. "النهار").

 

ـ "اكتشف الجميع أن زياد أخطأ في قراءة المرحلة". ("الأسبوع العربي").

 

ـ "ألا يجب عليه أن يعيد النظر في المأساة اللبنانية في ضوء التحولات التي طرأت أخيراً فلا يقع في تأويله السابق الذي تخطته المرحلة؟ ربما لم يقتنع زياد الرحباني أن الحرب اللبنانية انتهت، وأن السلام حلّ فعلاً... الرؤية المتشائمة المبالغة في تشاؤمها... كأن الواقع الذي يحاول نقله هو واقع ما قبل الحرب، وربما الواقع الذي فرضته الحرب، وليس واقع ما بعدها... "الشعب العنيد" لم يجسد فعلاً الصورة المقبلة للبنانيين. هل ينتظر اللبنانيون حقاً وطناً هو أقرب إلى المزرعة أو حديقة الحيوانات في مرحلة يجري الكلام عن صفقات تجارية كبيرة وعن عقارات واستملاكات؟ ربما كان نص الرحباني صالحاً لأن يقدم قبل الحرب اللبنانية أو خلال سنواتها ومراحلها العنيفة التي حولت البلد إلى "مزرعة" يتنازع عليها أولئك الذين أطلق عليهم "فرقاء النزاع" أما الآن فالمشهد السياسي يبدو مختلفاً وأشد واقعية ومأساوية". (عبده وازن، بعد مشاهدة المسرحية. "الحياة". 22 آذار ـ مارس).

 

طبعاً لا تختصر هذه العينات النقدية كل ما قيل. لقد تعرض الجانب الفني إلى سجال عنيف. وفي المقابل صدرت أصوات تدافع عن "الرسالة" التي يريد زياد الرحباني إيصالها "كوميديا سوداء لماحة ولماعة" (دليل "السفير"). إنه "الشاهد على زمنه" (لينا خوري في "الحسناء"). "الجرأة في إنكار رضى الجمهور... وأرشفة مدينة بيروت بأفضل أسلوب فني" (كوليت مرشليان. ملحق "الديار"). إلخ.

ردّ زياد الرحباني بعنف مبالغ فيه على منتقديه. استاؤوا من ذلك واعتبروه خروجاً على قاعدة الصمت التي يفترض بالمسرحي التزامها. الكلمة الأخيرة يجب أن تكون لهم. لا يملك الرجل حق الدفاع عن عمله أثناء عرضه. أصدروا حكماً غير قابل للاستئناف. الخصم والحكم. أو القاضي إذا تلا المطالعة الظنية. ليس سراً أن المواجهة بين زياد ونقاده غير متكافئة. فهو الأقوى إعلامياً. ولكن المواجهة حصلت وخسر فيها الطرفان. وفي سياق هذه المواجهة تصالح "النقاد"، أو بعضهم، مع جمهور طالما استخفوا بموقفه. لم يسبق لهم استخدام الإقبال الجماهيري كمعيار من معايير النجاح الفني. فإذا بهم يعتبرون "ملل المشاهدين" حجة ضد المسرحية الجديدة وينسبون إلى الجمهور ملاحظاتهم الفنية السابقة. تماهى النقاد مع العدد الضئيل من الذين يغادرون القاعة في الفصل الثاني. ويخرج هؤلاء لأنهم يعتبرون أنفسهم تعرضوا لنوع من "الخيانة": يريدون من زياد الرحباني أن يكون زياد الرحباني. يستاؤون لأنه لم يضمّن المسرحية أغنيات فنبت قرنان لجوزف صفر بدل أن يغني. لقد انحاز زياد، هنا، إلى النقاد الذين تساءلوا عن موقع الأغنيات السابقة في السياق الدرامي، ولكن الجمهور "تذمر" فاستغل النقاد التذمر لرفع وتيرة الحملة.

غير أن مراجعة سريعة للتعاطي النقدي تؤكد أن نقطة اللقاء بين النقاد والجمهور هي سياسية بالدرجة الأولى. النقاد أصبحوا ناطقين باسم "التفاؤل اللبناني" وأصبح "نقد المسرحية" لديهم، بديلاً عن "نقد المجتمع". جرفتهم الموجة، وانتابهم، ربما، ندم شديد على مواقف سابقة. واختلط عليهم الأمر بين النقد الجذري لـ "الشعب"، واستطراداً لهذه "الدولة"، وبين الدعوة إلى "الثورة" أو "ورقة النعي" أو عدم الاعتراف بخروج لبنان من الحرب.

لا ينكر زياد الرحباني أنه خرج محبطاً من الحرب (ومن تطورات أخرى في المنطقة والعالم) وأنه كان يتمنى لها نهاية أخرى. ولكن المرارة التي يعبر عنها، ربما كانت أكثر إيجابية بكثير من "التفاؤل الغبي" للمبهورين بومضات السلام، الغافلين عن مخاطر البناء على زغل.

 

الحياة ـ 3 أيار 1993

 


 

 

 

 

 

 

إن بعض من لا يشارك في معركة فلسطين اليوم، وبأقصى طاقة ممكنة لديه، سيدفع الثمن لاحقاً. سيتم تهميشه، والقضم من مصالحه، والتضييق عليه، وإضعاف سيادته، وإملاء الشروط عليه، والتقليل من أهمية موقعه الإقليمي وما قد يجنيه منه

 

 

إسرائيل هي جزء من الهجمة الاستعمارية على الوطن العربي. والصراع معها هو صراع على هذا الأساس، وإلّا نكون معرّضين لتكرار تجربة وقع فيها العمل الوطني الفلسطيني والعربي غير مرة: تجربة الرهان على الأصيل لمواجهة الوكيل.

 

 

التضامن العربي لا يمكنه أن يكون إلّا ضد إسرائيل، وقد يملك المرء ملاحظات كثيرة عليه وعلى برنامجه وعلى مهادنته للولايات المتحدة، ولكن هذه الملاحظات لا تلغي إطلاقاً صحة البديهية القائلة بأن وضعاً تضامنياً عربياً يحسّن شروط المواجهة مع إسرائيل ويسمح للعرب وأصدقائهم بادّعاء امتلاك الأوراق الضرورية اللازمة لأي تسوية عادلة، أو حتى شبه عادلة.

 

انتهت بموت عبد الناصر هذه المحاولة الفريدة في تاريخ العرب الحديث للمشي على حد الشفرة (مع خطر السقوط دائماً)، للمشي باستقامة على حبل حاملاً ما يساعده على التوازن: معرفة بالواقع من جهة وحرص على تغييره من جهة ثانية. لم نعد نعيش في ظل سياسات تعرف إمكاناتها في بلدها وأمتها وعالمها وتطرح الشعارات الملائمة ليس لتأبيد الأمر الواقع وإنما لتحريكه، ولو جزئياً، نحو تأمين مصالح محددة.